لم تعد الحروب الدائرة في الشرق الأوسط مجرّد مواجهات عسكرية تُقاس نتائجها بما يُدمَّر من منشآت وما يُسجَّل من انتصارات ميدانية، بل بات من الضروري قراءتها في سياق أوسع، يتصل بإعادة رسم موازين القوى العالمية، وإعادة هيكلة التجارة الدولية، والصراع على مفاتيح الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.
إنه في أحد أبعاده الاستراتيجية، صراع الجبابرة، صراع بين قوى اعتادت قيادة النظام العالمي، وقوة صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها وإعادة صياغة موقعها في معادلة الاقتصاد الدولي.
لكن هذا التحوّل يتطلب تجاوز القراءة التقليدية التي تفصل بين الحرب و السياسة والاقتصاد، والنظر إلى هذه العناصر بوصفها حلقات متداخلة في منظومة واحدة، تتفاعل فيها القوة العسكرية مع المصالح التجارية، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع حركة الرساميل، وتُرسم فيها ملامح المستقبل على وقع الصراعات الراهنة.
إدراك المارد الصيني مبكراً أن القوة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد إنتاج السلع وتصديرها، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل الموانئ والسكك الحديدية وشبكات النقل والطاقة والتمويل والأسواق، فمن خلال مبادرة «الحزام والطريق»، وسّعت بكين حضورها في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا، مستثمرةً في البنية التحتية والممرات التجارية، وساعيةً إلى ربط مراكز الإنتاج بمراكز الاستهلاك ضمن شبكة اقتصادية واسعة، وهنا يكمن التحوّل النوعي، فالصين لم تعد تكتفي بتصدير منتجاتها إلى العالم، بل تعمل على تعزيز حضورها في الأسواق التي تستقبل هذه المنتجات، وفي البنى التحتية التي تمرّ عبرها التجارة، فالتنافس لم يعد محصوراً في مَن ينتج أكثر، بل أصبح يدور حول مَن يمتلك القدرة على التأثير في حركة البضائع ورأس المال والتكنولوجيا، ومَن يستطيع فتح الأسواق وإعادة توجيهها عند الأزمات.
رأس المال بطبيعته يبحث عن العائد والاستقرار والفرص، وعندما تتصاعد الحروب والعقوبات والتوترات التجارية، تبدأ الشركات والمستثمرون بإعادة حساباتهم، والبحث عن أسواق بديلة ومراكز إنتاج جديدة ومسارات نقل أكثر أماناً وأقل تكلفة.
فالشرق الأوسط، الذي ما زال العقدة الحسّاسة في معادلة الصراع العالمي، لأن المنطقة تتوسط طرقاً حيوية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتضم موارد طاقة أساسية ووفيرة، الى جانب إشرافها على ممرات بحرية تمثل شرايين رئيسية للتجارة الدولية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، وأي اضطراب في هذه الممرات لا ينعكس على الدول المتحاربة وحدها، بل ينسحب تلقائيا على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد في مختلف أنحاء العالم، من هنا تكتسب المنطقة أهمية تتجاوز حدودها السياسية والجغرافية، فضمان الوصول إلى الأسواق والموارد والممرات التجارية يمثل ورقة مؤثرة في معادلة القوة الدولية.
فهنا قراءة المشهد لا تستقيم إذا اختُزلت جميع الحروب في هدف اقتصادي واحد، أو اعتُبر أن كل ما يجري هو نتيجة خطة موحّدة لإعادة توزيع التجارة العالمية، فالصراعات في الشرق الأوسط لها أسبابها السياسية والأمنية والتاريخية المباشرة، وتتداخل معها مصالح القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية، وقد تعيد ترتيب الأولويات الاستثمارية والتجارية لدى الدول والشركات.
لعلّ الخطأ الأكبر في قراءة الصراعات الدولية هو التعامل معها بوصفها أحداثاً منفصلة، فالعالم في واقعه الاستراتيجي لا يعمل مجتزأً، بل تتحرك عناصر القوة فيه ضمن شبكة متداخلة، تتبادل التأثير وتعيد تشكيل بعضها بعضاً. فالميدان العسكري يغيّر معادلات الأمن، ومعادلات الأمن تعيد رسم طرق التجارة، وطرق التجارة تؤثر في حركة الرساميل، فيما تحدد الاستثمارات والتكنولوجيا والإنتاج قدرة الدول على تثبيت نفوذها أو توسيعه.
إننا أمام مشهد تتداخل فيه القوة العسكرية مع النفوذ المالي، والسيادة السياسية مع الاستقلال الصناعي والتكنولوجي، ربما لا تكون هذه العناصر نتاج خطة واحدة لكنها تتفاعل لتنتج واقعاً دولياً جديداً يُرى، لتستفيد منه قوى وتتضرر منه أخرى.
إن سعي الولايات المتحدة إلى المحافظة على موقعها المركزي في النظام المالي العالمي، بينما تعمل الصين على توسيع حضورها التجاري والتكنولوجي والمالي، وبناء علاقات وشبكات اقتصادية، لا يعني ذلك بالضرورة أن العالم يتجه إلى انهيار النظام القائم، بل ربما يتجه نحو مرحلة أكثر حيرةً وتعقيداً.
أما الدول العربية، فهي أمام اختبار استراتيجي بالغ الأهمية، هل تكتفي بدور الممر الذي تعبره التجارة... أم تتحوّل إلى شريك منتج يمتلك التكنولوجيا والصناعة والخدمات اللوجستية... وما الدور المأمول في خضم هذا الصراع والتحوّلات الجيو سياسية في المنطقة...؟!!!
إن الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية لا يكفيان وحدهما لصناعة النفوذ، فالقوة الحقيقية تقوم على القدرة على تحويل الموارد إلى إنتاج، والاستثمارات إلى قيمة مضافة، والممرات التجارية إلى مراكز لوجستية وصناعية، والأسواق إلى محركات للنمو.
أما لبنان ووجوده في هذه النقطة المعقّدة من خارطة الشرق الأوسط، فموقعه الجغرافي وحده لا يصنع منه قوة اقتصادية ما لم تسنده مؤسسات فاعلة وبيئة استثمارية قادرة على المنافسة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمن والاستقرار وتكريسه بتوثيق علاقاته مع محيطه العربي الحاضن الآمن.إننا أمام مشهد لعالم قد يكون جزءاً من انتقال تدريجي من نظام اقتصادي أحادي المركز إلى بيئة أكثر تعدداً في مراكز النفوذ، حيث نرى أن تراجع نفوذ قوة عالمية لا يعني تلقائياً انتصار منافستها، كما أن اتساع النفوذ الاقتصادي لا يساوي بالضرورة الهيمنة الكاملة، فالمشهد العالمي أكثر تعقيداً من معادلة رابح واحد وخاسر واحد.اشتر خرائط
فالسؤال الذي يشغل العالم اليوم ليس فقط مَن سينتصر في الحرب... مَن سيعيد بناء شبكات التجارة والتمويل والإنتاج بعد الحرب... ومَن سيمتلك القدرة على وضع القواعد التي تحكم الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة...؟
فقد تنتهي المعارك على الأرض، لكن الصراع على الأسواق والممرات والرساميل ومفاتيح التكنولوجيا قد يستمر طويلاً.
لا تُقاس القوة بما تملكه الدول من أسلحة فحسب، بل بما تستطيع بنائه من اقتصاد، واستقطابه من استثمارات، وتأمينه من طرق، وتطويره من تكنولوجيا، وتأثيره في قواعد النظام العالمي.
فأيّ عالم سنرى... وأيّ اقتصاد سيسود... وأيّ خارطة وخيوط...؟؟!!!