14 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 26-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "راحة البال وصلاحه"!
"راحة البال وصلاحه"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-26
"راحة البال وصلاحه"!

كثيرًا ما نسمع في لغة العامّة عباراتٍ من قبيل: «طوِّل بالك»، و«دير بالك على حالك وعلى صحّتك»، و«خلّي بالك»، و«الله يصلح بالك». كما نسمع في الفصحى: «تقبّل الله منّا ومنكم صالح الأعمال»، و«أصلح الله لنا ولكم الحال والبال».

فما هو البال؟ أهي كلمة عاميّة أم فصيحة؟ أهو عضوٌ في جسم الإنسان، أم حالةٌ من الراحة والهناء، أم شعورٌ بالفرح والحبور والسعادة والسرور؟

سُئل رجلٌ ذات مرّة: «لو كانت لك أمنية واحدة تتحقّق، فماذا تتمنّى؟» فأجاب: «راحة البال».

ولو عدنا إلى كتاب الله الكريم، لوجدنا آيةً عظيمة الأثر، ترسم صورةً بديعة لمعنى البال ودلالته، إذ يقول تعالى في سورة محمّد: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾.

فلنتوقّف مليًّا عند هذه الآية الكريمة؛ لندرك أنّ كلمة «البال» كلمةٌ فصيحةٌ راسخةٌ في لسان العرب، وإن ظنّها بعضنا من ألفاظ العاميّة. وأنّ الدعاء بقولنا: «أصلح الله بالكم» من أجمل الأدعية وأعمقها دلالةً؛ إذ يشمل صلاح الفكر، وطمأنينة النفس، واستقامة الحال.

والبال في اللغة يتّصل بالخاطر والشأن والحال، وما يشغل الإنسان من أمور نفسه وحياته. فإذا صلح البال، انعكس ذلك على ما يصدر عن المرء من قولٍ وعمل. وحين تقول لأحدهم: «أصلح الله بالك»، فإنك تدعو له بصلاح خاطره، وصفاء تفكيره، وراحة قلبه، واستقامة شأنه.

وهنا تتجلّى الحكمة: ليس صلاح البال أمرًا عارضًا يُنال بالمصادفة، بل هو ثمرةٌ من ثمار السلوك القويم والسريرة السليمة. فكلّما صفا القلب من الضغائن، واستقام العمل على الخير، هدأت النفس واطمأنّت، وكأنّ الطمأنينة تُسكب في الروح سكبًا. ومن أخلص نيّته، وسعى في الخير، ورعى حقوق الآخرين، كان أقرب إلى السكينة وصفاء النفس.

أمّا سبل صلاح البال، فتتجلّى في الهدي الإلهي، ويمكن أن نلخّص أبرزها في ما يأتي:

1. الإيمان بالله: بما يمنحه للنفس من رجاءٍ وثقةٍ وطمأنينة.
2. عمل الصالحات: بما ينطوي عليه من خيرٍ وإحسانٍ وإصلاحٍ للنفس والمجتمع.
3. الالتزام بالقيم الدينية والإنسانية النبيلة: القائمة على المحبّة والسلام، واحترام الآخرين، وصون كرامتهم وحقوقهم.

فراحة البال، إذًا، نعمةٌ عظيمة، وهي من أجلّ ما يرجوه الإنسان في حياته. وتزداد النفس سكينةً حين تستقيم علاقتها بربّها، وتصفو علاقتها بالناس، ويكون صاحبها صادق النيّة، طيّب المعشر، محبًّا للخير. فالمحبّة والسلام شعاره، وكلامه بلسمٌ للأنام، وأفعاله عنوانٌ للأخلاق الكريمة.

أراح الله بالي وبالكم، وهدانا وإيّاكم إلى سبل الصواب، وجعل المحبّة عنوانًا لمسيرتنا، والسلام رفيقًا لدروبنا.

وفي لبناننا العزيز، الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى الطمأنينة والتآلف والتراحم، نقول جميعًا:

«اللهم أصلح بالنا جميعًا، وألّف بين قلوبنا، واحفظ وطننا، واجعل المحبّة والسلام سبيلاً إلى خلاصه وازدهاره».

جنوبيات
أخبار مماثلة