تذكّرنا موجة الذّكاء الاصطناعي الحالية بما حصل في سنة 2000 مع ثورة المعلوماتية حيث تسابق الباحثون في وصف الأوضاع حينها بالاستثنائية وان ما حصل سيغير وجه الكرة الأرضية وأوضاع الاقتصادات صعودا الى ما لا نهاية. كانت لهذه الثورة انعكاسات ايجابية كبيرة، لكنها كانت مؤقتة اذ سرعان ما تبين أن نتائجها لن تكون دائمة وأن الأمور ستعود الى أوضاعها الطبيعية. هذا ربما يحصل اليوم وتكرارا مع ثورة الذكاء الاصطناعي، اذ هنالك من يبشرنا بانعكاساتها الدائمة والكبيرة على السياسة و الاقتصاد بل على الانسان.
يبشّرنا المتحمّسون بأن انعكاس الذكاء الاصطناعي على الانتاجية العامة دوليا سيكون كبيرا ودائما ومستمرا. يبشروننا بأن زمن البحبوحة عائد وبأن زمن الندرة والقلة ودّعنا الى غير رجعة. لذا سيشعر الجميع تدريجيا بالفرح والغنى والسعادة حتما لفترات طويلة. هل نحلم أم أن العالم تغير فعلا؟ يبشرنا المتحمسون بأن تكاليف الانتاج ستنخفض بفضل استعمال التكنولوجيا المتطورة وبسبب توافر عوامل انتاج جديدة وفاعلة. يبشروننا بأن الأرباح سترتفع وبالتالي لن يكون هنالك خاسرون بل ربما مترددون وخائفون من الجديد ومن التغييرات الحاصلة في أسواق الانتاج والاستهلاك. هذا ما يفسر الاستثمارات الكبرى في كل دول العالم خاصة في الولايات المتحدة على كل جوانب وقواعد وفروع الذكاء الاصطناعي مما يعيدنا الى الماضي أي الى احتمال سقوط تلك الاستثمارات مجددا والعودة الموجعة الى الوراء. هنالك شعور عالمي بالخوف من تضخيم فوائد الذكاء الاصطناعي استنادا الى ما حصل بعد ثورة المعلوماتية. هنالك من بدأ يدرس كيفية وضع حدود لأسواق الذكاء الاصطناعي تجنبا للخسائر المحتملة.
في الثورات الصناعية السابقة حصلت فورات كبيرة قبل التغيير والسقوط. في تلك الثورات كان هنالك تحول في الوظائف والعمالة من قطاع الى آخر، وبالتالي لم تتغير نسب البطالة العامة كثيرا. في ثورة الذكاء الاصطناعي هنالك من يخاف وعن حق من أن تحل الماكينات المتطورة السريعة مكان الانسان، لذا ستكون الانعكاسات على أسواق العمل كبيرة وسلبية حتما. هل ستحل الماكينات الذكية محل الانسان في أسواق العمل وبالتالي ينعكس التطور سلبا على المواطنين؟ لذا هنالك خوف عام مبرر من أن تخلق ثورة الذكاء الاصطناعي شرخا كبيرا في كل الاقتصادات بين أقلية غنية ملمة بالتكنولوجيا وأكثرية فقيرة غير مجهزة لاستيعاب الثورة فتعاني ماديا وتسوء أوضاعها.
كي تنجح ثورة الذكاء الاصطناعي لا يكفي أن تعتمد الاقتصادات على التكنولوجيا الجديدة التي لا تكفي وحدها لاستيعاب وايجاد الحلول لمشاكل الاقتصادات وتحديات الانسان. كي تنجح الثورة لمدة طويلة هنالك شروط يجب أن تتوافر، منها أن تكون التكنولوجيا في متناول الجميع ومفهومة منهم أي من قبل العمال والموظفين في كل الدرجات. كي يستفيد الجميع من التكنولوجيا يجب أن تكون مبسطة وبمتناول الانسان العادي. هنالك ضرورة لأن تكون ادارة القطاع العام فاعلة ومنتجة وتؤدي أدوارا اقتصادية ايجابية لمصلحة العامل والمواطن.
كي تربح الشركات بما فيها شركات التكنولوجيا يجب أن يتوافر الطلب العالي على منتجاتها، مما يفرض أن تكون مستويات البطالة متدنية وأن يكون الشرخ المعيشي بين الأغنياء والفقراء ضيقا. لا يمكن وصف أي اقتصاد بالناجح اذا كانت نسبة البطالة مرتفعة. الاقتصاد يكون في خدمة الانسان والعامل كي يكون ناجحا وفاعلا. الاقتصاد الناجح هو المبني على الثقة وليس على الخوف، هو المبني على توافر السلع والخدمات وليس على امتداد الفقر الى كل أنحاء الدولة. هنالك اذا حاجة لتوافر قوانين تحمي السلامة المجتمعية وتمنع الاحتكارات والغش والظلم.