18 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 30-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة إلى متى تُستخدم ذاكرة الحرب لتبرير عجز الدولة؟
إلى متى تُستخدم ذاكرة الحرب لتبرير عجز الدولة؟
فؤاد بوجي
2026-10-30
إلى متى تُستخدم ذاكرة الحرب لتبرير عجز الدولة؟

 

لم تعد المشكلة في لبنان أن الدولة ضعيفة فحسب، بل في أن ضعفها تحوّل، على مدى عقود، إلى واقع تتعايش معه القوى السياسية، فيما يتحمل المواطنون نتائج تسويات لا يملكون القدرة على محاسبة أصحابها. وبينما اعتادت أجيال أن ترى في تجنّب الحرب إنجازاً سياسياً بحد ذاته، يبرز جيل جديد يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكفي ألا نعود إلى الحرب كي نعتبر أن الدولة نجحت؟

هذا الجيل لم يعش الحرب الأهلية، لكنه نشأ في ظل نتائج نظام ما بعد الحرب. عاصر انهيار العملة، وتبخر الودائع، وتراجع الخدمات العامة، وشاهد انفجار مرفأ بيروت وما أثاره من أسئلة عن المسؤولية والمحاسبة. ومع اتساع الهجرة، أصبحت مغادرة الوطن بالنسبة إلى كثيرين بديلاً عن انتظار الإصلاح. لذلك، لم تعد شرعية السلطة تُقاس بإدارة التوازنات الطائفية وحدها، بل بقدرتها على توفير حياة كريمة داخل لبنان.

المفارقة أن النظام الذي برّر جانباً كبيراً من استمراره بالحفاظ على السلم الأهلي لم ينجح في تحويله إلى عقد وطني متين. فالتسوية التي أنهت الحرب لم تكن ضمانة لبناء دولة المؤسسات، إذ بقيت المحاصصة حاضرة في توزيع النفوذ، وظلت الإصلاحات تصطدم بحسابات القوى السياسية. وهكذا، لم يعد السؤال فقط كيف نحمي لبنان من الحرب، بل كيف نحميه من استمرار اختلالات الدولة نفسها.

وتظهر المعضلة بوضوح عند الحديث عن السيادة. فهل يمكن لدولة أن تكون سيدة قرارها إذا بقي قرار الحرب والسلم موضع خلاف داخلي؟ وهل تستطيع حماية مواطنيها إذا كانت احتمالات التصعيد الإقليمي تهدد أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم؟ إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد شعار في سجال حزبي، بل يرتبط بمن يقرر مصير البلاد، وبأي مؤسسات تُتخذ القرارات المصيرية، ومن يتحمّل نتائجها.

ولا تنفصل السيادة عن الاستقلال الاقتصادي. فالدولة التي تعجز عن توفير فرص العمل، وتفقد كفاءاتها بالهجرة، وتعتمد على الدعم الخارجي لتجاوز أزماتها، تواجه قيوداً فعلية على استقلال قرارها. فالسيادة لا تعني فقط رفض التدخّل الخارجي، بل امتلاك القدرة على تقليص أسباب الارتهان له، من خلال إصلاح مالي وإداري، وقضاء مستقل، ومؤسسات تخضع للمساءلة.

كذلك، كشفت الأزمات المتراكمة أن المشكلة لا تقتصر على غياب الحلول، بل تمتد إلى ضعف المحاسبة. فعندما تبقى المسؤوليات موضع نزاع دائم، وتتقدم الحسابات السياسية على حق المواطنين في معرفة الحقيقة، تتآكل الثقة بالدولة، وتصبح استعادة شرعيتها أكثر صعوبة.

لا يعني ذلك أن الجيل الجديد تجاوز الطائفية أو يمتلك مشروعاً وطنياً موحّداً؛ فالانتماءات التقليدية لا تزال مؤثرة. لكن ذاكرة الحرب لم تعد المرجعية الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها لتبرير الخيارات السياسية، فيما تتقدم مطالب المحاسبة والفعالية والسيادة.

إن السلم الأهلي ضرورة لا نقاش فيها، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى إعفاء دائم من الإصلاح. فليس كافياً تذكير اللبنانيين بما قد يخسرونه إذا اختل التوازن، من دون الإجابة عما خسروه بالفعل نتيجة غياب الدولة الفاعلة.

الجيل الذي لم يعش الحرب لا يطالب بنسيانها، بل برفض البقاء أسيراً لها. والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم: إلى متى ستبقى ذاكرة الماضي تُستخدم لتبرير إخفاقات الحاضر، فيما يدفع الشباب ثمن مستقبل لم يشاركوا في صنع أزماته

جريدة اللواء
أخبار مماثلة