19 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 31-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "أخلاق لا تُنسى"!
"أخلاق لا تُنسى"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-31
"أخلاق لا تُنسى"!

نحن من الجيل الذي نشأ وترعرع على الحبّ والتسامح والوفاء والاحترام، وعلى كلّ القيم النبيلة التي كانت تشكّل أساس الحياة وركيزة العلاقات بين الناس.

نحن الذين عاصرنا رجالًا ونساءً لم يعرفوا القراءة والكتابة، أو بالكاد كانوا يهجون الحروف، لكنّهم أتقنوا فنّ الكلام، وأجادوا لغة المواقف والأفعال.

لم يدرسوا الأدب، لكنّهم علّمونا الأدب.

لم يدرسوا قوانين الطبيعة وعلوم الأحياء، لكنّهم علّمونا فنّ الحياء.

لم يقرؤوا كتابًا واحدًا عن العلاقات الإنسانية، لكنّهم علّمونا حسن المعاملة واحترام الآخرين.

لم يتعمّقوا في علوم الدين، لكنّهم غرسوا فينا معنى الإيمان، وعلّمونا أنّ الدين أخلاق قبل أن يكون أقوالًا.

لم يدرسوا علم التخطيط والتدبير، لكنّهم علّمونا بُعد النظر وحسن التقدير.

لم يكن أحد منّا يجرؤ على رفع صوته في حضرة الأهل، فقد ربّونا على حسن الإصغاء، واحترام الكبير، ومعرفة حدود الكلام ومقامه.

نحن جيلٌ كنّا ننام عند انقطاع الكهرباء في أفنية المنازل، تحت سماء مرصّعة بالنجوم، نتبادل الأحاديث والحكايات، ولم يكن بيننا وبين البساطة عائق، ولا بيننا وبين حسن التصرّف حائل. كانت الحياة أقلّ تعقيدًا، لكنّها أكثر دفئًا، وكانت القلوب أقرب، والنفوس أصفى، والروابط أمتن.

كنّا نتحدّث مع بعضنا، ولا نتحدّث بالسوء عن بعضنا. نختلف، لكنّنا لا نتخاصم، ونعاتب، لكنّنا لا نجحد العِشرة، ونحفظ الغياب كما نحفظ الحضور.

فسلامٌ على من علّمونا أنّ للأهل هيبة، وللمعلّم مكانة، وللكبير احترامًا، وللعِشرة حرمة لا يجوز التفريط بها. وألف تحيّة لمن غرسوا فينا احترام الجار وحسن الجوار، وعلّمونا أن نتقاسم مع الأخ والصديق المصروف واللقمة، وأن نصون الأسرار، ونحفظ الودّ، ونقف إلى جانب بعضنا في الشدائد قبل المسرّات.

إنّها خواطر من البال، وومضات من ذاكرة لا تشيخ، نهديها إلى كلّ من عاش تلك اللحظات الجميلة، واحتفظ في قلبه بشيء من عبير ذلك الزمن.

ولعلّ أجمل ما تركه لنا ذلك الجيل أنّه أثبت أنّ التربية ليست بكثرة الشهادات، ولا بوفرة الكتب، بل بما يستقرّ في النفوس من قيم، وما تترجمه الأفعال من أخلاق. فكم من أُمّيٍّ علّم أجيالًا من دون أن يحمل قلمًا، وكم من صاحب شهادة عجز عن تعليم أبنائه أبسط دروس الإنسانية! فالعلم يرفع شأن الإنسان، ولكنّ الأخلاق هي التي تمنحه قيمته، وما يبقى من المرء ليس ما قاله عن نفسه، بل ما تركه في نفوس الآخرين من أثر طيّب.

وإلى الجيل الذي ربّانا وهذّبنا، أقول: حفظ الله من كان منكم حيًّا، وأسبغ عليه الصحة والعافية، والرحمة والمغفرة لمن غادرنا إلى دار البقاء. لقد رحل كثيرون منكم، لكنّ ما زرعتموه فينا لم يرحل، وما علّمتمونا إيّاه سيظلّ حيًّا ما حيينا.

أدام الله المحبّة والسلام والاحترام بيننا، وردّ إلى علاقاتنا شيئًا من صفاء الأمس ونُبل أهله، وحفظ لبناننا الحبيب من كلّ مكروه، وألّف بين قلوب أبنائه، وأبقاه وطنًا يستحقّ أن نحبّه ونفخر به.

أخبار مماثلة