27 جمادى الأولى 1448

الموافق

الأحد 08-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم حين لا تنتهي الكارثة عند انتهاء الحدث
حين لا تنتهي الكارثة عند انتهاء الحدث
هبة بيضون
2026-11-08
حين لا تنتهي الكارثة عند انتهاء الحدث

لم يعد الفلسطيني في غزة يقيس آلامه بالأيام أو الشهور، بل بموجات متلاحقة من الأزمات التي تتراكم فوق بعضها البعض. فكلما ظنّ الناس أنّ معاناة ما بلغت ذروتها، جاءت أخرى أكثر قسوة لتؤكّد أنّ آثار السابع من أكتوبر لم تتوقف عند حدود الحدث نفسه، بل ما زالت ترسم تفاصيل الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين.

في الأيام الأخيرة، كشفت الأمطار الغزيرة جانباً جديداً من المأساة. فقد اجتاحت المياه خيام النازحين، وغمرت مراكز الإيواء، وأعادت آلاف العائلات إلى دائرة التشرد والبحث عن مأوى يحميها من برد الشتاء وقسوة الظروف. ولم يكن المطر هو السبب الحقيقي لهذه الكارثة، بل الواقع الذي اضطر عشرات الآلاف إلى العيش في خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وفي هذا السياق، حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أنّ الاستجابة الإنسانية تواجه تحدّيات كبيرة نتيجة نقص المعدات والآليات والمواد الأساسية، مطالباً بالسماح الفوري بإدخال المساعدات الإنسانية والآلات الثقيلة اللازمة للتعامل مع الأوضاع المتفاقمة، في وقت لم يعد المخزون المتاح كافياً لمواكبة الاحتياجات المتزايدة.

غير أنّ المشهد الأكثر إيلاماً لم يكن صورة الخيام الغارقة بالمياه، بل ذلك الطفل الذي خرج حافي القدمين من خيمته المغمورة وهو يردّد: "يا رب خذنا". هذه الكلمات ليست مجرد تعبير عابر عن ضيق أو خوف، بل انعكاس لحجم الإنهاك النفسي الذي وصل إليه أطفال يفترض أن تكون أحلامهم مرتبطة بالحياة لا بالتمنّي أن تنتهي معاناتهم. وعندما يصبح الموت أمنية على لسان طفل، فإنّ المأساة تكون قد تجاوزت حدود الأزمات الإنسانية التقليدية إلى جرح عميق يصيب الوعي والروح معاً.

وكل من لا يزال يدافع عن السابع من أكتوبر ويتحدّث عن نتائجه من موقع بعيد عن الألم، مدعو لأن يضع نفسه مكان أهل غزة للحظة واحدة فقط. أن يتخيّل أطفاله نازحين، ومنزله مدمراً، وعائلته تواجه البرد والجوع والخوف والمجهول. وأن يتخيل طفلاً من دمه ولحمه يقف وسط الماء والوحل متمنياً الموت بدلاً من الحياة. حينها يصبح السؤال مختلفاً: هل كانت أيّ أهداف معلنة تستحق كل هذا الثمن الإنساني الباهظ؟

لقد دفع سكان غزة أثماناً باهظة على مستويات عدة؛ فإلى جانب الخسائر المادية والنزوح وتدهور الظروف المعيشية، برزت آثار نفسية عميقة سترافق أجيالاً كاملة لسنوات طويلة. والأشد مرارة أن من يتحمل العبء الأكبر هم المدنيون الذين وجدوا أنفسهم في قلب تداعيات لم يشاركوا بصنع قرارها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف تنظر حماس اليوم إلى ما آلت إليه الأوضاع في غزة؟ وهل تقف أمام هذا المشهد لإجراء مراجعة حقيقية لحساباتها السياسية؟ وهل تفكر بمسؤوليتها تجاه مجتمع يدفع يومياً ثمن قرارات غيّرت مصير حياته ومستقبله؟

ليس المقصود من هذا الطرح إنكار حق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال أو الدفاع عن حقوقهم الوطنية، فهذه حقوق ثابتة ومشروعة. لكن من حق الشعب الفلسطيني أيضاً أن يسأل عن جدوى الخيارات السياسية عندما تكون نتائجها مزيداً من الدمار والخسائر والتشريد. ومن حق الأمهات اللواتي فقدنّ أبناءهن، والأطفال الذين فقدوا بيوتهم وشعورهم بالأمان، أن يتساءلوا عمّا إذا كانت الأهداف التي رُفعت قد تحققّت بالفعل.

فبعد كل ما جرى، هل تم تبييض السجون؟ وهل تحرّر الأقصى كما رُوّج؟ وهل أصبح الفلسطيني أقرب إلى الحرية والاستقرار؟ أم أنّ الواقع الذي يراه الناس اليوم هو مجتمع مثقل بالخسائر، وغزة تكافح للبقاء بمواجهة أزمات تتجدّد مع كل فصل ومع كل يوم جديد؟

ويبقى السؤال الأصعب: ما قيمة أيّ موقف سياسي إذا كانت كلفته تُدفع من حياة الناس ومستقبلهم؟ وما جدوى أيّ إنجاز يُعلن عنه إذا كان المواطن البسيط لا يرى منه سوى مزيد من الفقدان والمعاناة؟ والأهم من ذلك كله، ماذا حقّق السابع من أكتوبر للفلسطيني الذي ما زال يبحث عن بيت يؤويه، وأمان يطمئن إليه، ومستقبل يستحق أن يعيش من أجله؟

أخبار مماثلة