عام >عام
المعلّم في عيده يضطلع بمهمات تتجاوز مواجهة التحدّيات
يكافح الجهل وينقل المعارف في زمن الفتن المتنقّلة
خبراء التربية كيف يرون دوره في ظل تعدّد المشارب والملمّات؟
المعلّم في عيده يضطلع بمهمات تتجاوز مواجهة التحدّيات ‎الأربعاء 9 آذار 2016 06:36 ص
المعلّم في عيده يضطلع بمهمات تتجاوز مواجهة التحدّيات
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

سامر زعيتر

ما أشبه اليوم بالغد وربما بالأمس، عبارة يردّدها المعلمون على مرِّ السنوات المتعاقبة، وما بينها يترحّم المعلمون على زمن كان فيه الاحترام والإجلال للمعلم ركيزة العملية التعليمية...

فها هو المعلم، الصابر على مكائد الزمان، لا يزال يواجه الصعاب وغرس معوله في حقول من بحور العلم القاحلة، ينقل رسالته إلى جيل الغد، ولكن ما هو الدور المأمول منه في ظل تعدّد العلوم ومشاربها؟ وتحوّل العملية التعليمية إلى مهمة للتفاعل والتشارك، تثقلها مهمات أخرى بمكافحة الجهل والتخلّف والتعصّب، في زمن الفتنة وغياب القواسم المشتركة بين شركاء الوطن...

كل ذلك وأكثر، يتطلّب من المعلم أدواراً متعددة، تأتي مثقلة بهموم الأعباء المعيشية والحياة الاقتصادية الملقاة على عاتق الجميع، ليبقى للمعلم مهمة الرسالة الخالدة التي تُقرن بمهمة الأنبياء والمرسلين، كيف لا والرفض لمحاولاته واحدة يتعرّض لها المعلم الرسول على حد سواء، رفض من شعوب حوّلت عاداتها وتقاليدها إلى نواميس أريد من الإصرار عليها تجاوز الحداثة والبقاء في زمن الذكريات الغابرة...

ما بين هذا وذاك، يبقى المعلم وحيداً يصارع الزمن وعثراته، يسعى لمواكبة التغيير وإيجاد المحفّزات لعقول تعدّدت مشتتاتها، فيصبح غريباً في زمن الغرباء، عزيز النفس في زمن المادة والمغريات، يذكره التاريخ ولو بعد حين ففضله على الأبناء صنّاع الغد يُؤْتِي أكله ولو بعد حين...

وفي عيد المعلم "لـواء صيدا والجنوب" يقف على آراء خبراء التربية والتعليم لمعرفة سبل مواجهة التحدّيات لصنّاع المستقبل وإعادة كتابة تاريخ الأمة المعاصر بحروف من نور ومعرفة...

صنّاع الحضارة والتربية

* التربية والتعليم، الملاذ الأول والأخير للنهوض بالوطن من كبوته والعودة إلى الجادة المستقيمة، وفق ما أكد رئيس "مدرسة الفنون الإنجيلية" في صيدا الدكتور جان داود بالقول: "معاركُ الوغى كثيرة، لكنّ أهمّها معركة التربية والقِيَم والأخلاق. في وسط الخلافات الكبيرة والعميقة عاموديّاً وأفقيّاً في لبنان، هناك إجماعٌ واضحٌ أنّ خلاصَنا الوحيد يكمنُ في التربية".

وأضاف: "في مشتل التربية نهيّاُ أفواجاً تلو أفواجٍ من البراعم البريئة ونزوّدها بما تعلّمناه من قِيَمٍ وأخلاقٍ وعاداتٍ كانت منارةَ الخلاصِ في لبنان حتى في أحلكِ أيّامِه السود. المحاربُ الذي يفتخرُ بحروبِهِ اليوم هو المعلّمُ: خشبةُ الخلاصِ في لبنان وأملُ لبنان ورجاؤه بمستقبلٍ مشرقٍ خيّرٍ متنوّرٍ يعي أنّ إنسانيّة الإنسان لا تتأتّى إلاّ عبرَ الاحترامِ والعدلِ والمساواة.

ورأى "أنه فقط المعلّم عنده هذه الروح، وعنده هذا النور الإلهي ألذي أشبه ما يكون بنجمة المجوس التي تقودُ كلّ من يريد إلى عالمِ الخيرِ والجمالِ والسلامِ الداخلي وهذه المكوّنات تؤلّفُ سعادةَ الإنسان. ومن هنا المقولة التقليديّة: "كاد المعلّمُ أن يكونَ رسولا"، لأنّه ينادي بالحقيقة البشريّة وأنّنا غرباء على هذه الأرض، وكنزنا الوحيد هو مقدار مساهمتنا في إسعاد الآخرين وجعل محيطنا أفضل ممّا كان".

وقال: "سعادةُ المعلّم تكمن في مقدار ما يُدخِل البهجة والسعادة والرجاء إلى قلوب أبنائه الطلاب، يزرع الأملَ وسط الضياع ويزرع اليقين وسط القلق".

وختم داود: "عزيزي المعلّم، قدَرُنا أنّنا أصحابُ رسالةٍ لا مهنة، وجزاؤنا الوحيد هو ما نراه في عيون طلابنا بعد سنين وسنين من تخرّجهم معترفين بفضلنا وبتأثيرنا البالغ على مجرى حياتهم ومصيرهم. هذا الشرف لا يُؤتى إلا للأنبياء والرسل. لذا، فليُجحفوا ما شاءوا معنويّاً ومادّيّاً!!!  ما هم... نحنُ صنّاعُ بشرٍ لا مصانعَ تعليب! عشتَ أيّها المعلّم فأنت تخطّيتَ كلَّ المراكز".

تحريك الأسماك الراكدة!

دور بارز للمعلم تعترف به الأجيال ولو بعد حين، ويحوّل عطاؤه إلى رسالة تصنع التغيير وفق ما أكد مدير "مدارس الإيمان" في صيدا كامل كزبر بالقول: "في يوم المعلم وفي هذه المناسبة الطيبة تنساب الكلمات سلسةً عذبة من الثناء، حيث يغدو الوفاء حروفاً من نور ترشد الفجر إلى مكامن العتمة ليضيئها بشعاع الأمل. في يوم المعلم نردد مع كل حكيم، ومع كل صادق منصف: إنّ عطاءك أيها المعلم رسالة بناء، ودربك خلاص أمم، ومهنتك غاية الكرم وجوهر العطاء".

وأضاف: "بهذه المناسبة الطيبة استذكر قصة جميلة قرأتها مؤخراً، لها مدلولاتها البليغة ونستنبط منها العبَر الإدارية والمواعظ التربوية. يُحكى: "أن الشعب الياباني يهوى أكل أنواع من السمك الطازج مملّحاً ولكن المشكلة أن شواطئ اليابان فقيرة بهذه الأنواع من السمك ولا تفي بحاجة المستهلكين، لذلك قررت مراكز الصيد تأهيل سفن ضخمة للإبحار بعيداً لصيد كميات أكبر من السمك، وفعلاً نجح الصيادون في جلب كميات كبيرة من الأسماك ولكن السفن لم تصل اليابان إلا بعد ثلاثة أيام محمّلة بالسمك الذي تغيّر لونه وفسد طعمه لطول المسافة. ثم كان الحل الأول هو تزويد السفن بثلاجات ضخمة تضمن وصول السمك إلى المستهلك وهو بحالة جيدة دون أن يفسد، هذا الحل لم ينجح أيضاً لأن الياباني لا يحب السمك إلا طازجاً، وهو قادر على اكتشاف طعم السمك المجمّد".

وتابع: "بدأت شركات الصيد بالبحث عن حل لإرضاء المستهلك ووضعت يدها على حل جيد وهو تزويد السفن بأحواض كبيرة من المياه توضع فيها الأسماك بعد اصطيادها لتبقى على قيد الحياة، ويُقدم السمك طازجاً إلى المستهلك.. فكرة جيدة، ولكن مشكلة جديدة طرأت لم تكن في الحسبان وهي أن السمك وبعد فترة من تحرّك السفينة يتوقف عن الحركة وذلك بسبب الإرهاق من اهتزازات السفينة وبسبب هذا الجمود يصل إلى الأسواق وقد تغيّر طعمه وغلب عليه طعم الموت ويستطيع المستهلك أن يجزم بأن هذه الأسماك ليست طازجة".

وتساءل "ترى هل نقف مكتوفي الأيدي؟ أم هناك حل ابتكار لهذه المشكلة؟ وهل ستترك شركات الصيد المستهلك ليتأقلم مع هذا الوضع؟".

وقال: "أبداً... فقد قامت هذه الشركات بخطة ذكية، حيث وضعت في كل حوض على السفينة سمكة قرش صغيرة، وبالتالي فإن السمك لن يتوقف عن الحركة وإلا سقط فريسة لجموده، هكذا وصل السمك إلى الشاطئ طازجاً كما يحب المستهلك".

وأضاف: "إن هذا التفكير الإبداعي الذي يحمل لنا الحلول المبتكرة ليخرجنا من مستنقع الركود، هو ما نحتاجه في عصر تحويل المعارف إلى مفاهيم جديدة وابتكار الأفضل، كم نحن نحتاج إلى سمكة القرش، أو بمعنى آخر نحن بحاجة إلى المحفّزات لمواجهة الصعوبات، والأمل لنستمر في الحركة".

وختم كزبر: "أيها الزملاء... إن سمكة القرش هنا ليست تعني الخوف من السلطة الإدارية فهذا أسوأ المحفّزات، إنما هو الخوف على المكتسبات التي حققتها مؤسساتنا التربوية والحرص على ابتداع الأساليب المبتكرة في دنيا التربية التي لا تعرف طعم الجمود واليأس في هذا العالم المتغيّر، الثابت الوحيد فيه هو التغيير، ومن لم يتقدّم فيه فهو يتأخّر. نعم عندما نجد معلم هذا اليوم يعمل بهذه المبادئ وهو يتحدّى كل الصعوبات التي تواجهه، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة له ثقة وإجلالاً لمعلم الأجيال. ونحن في مدارس الإيمان – أقولها بكل تواضع – (شركة متضامنة) تهدف إلى مواكبة عصر المفاهيم وتحويلها إلى ورش تطبيقية للمعلم والطالب على حد سواء".

النجاح في تحدّي الصعاب وصنع التغيير وتحويل المفاهيم المعاصرة إلى أسس حياة لغد واعد، تتطلب من سائر قطاعات المجتمع إنصاف المعلم كي لا يتحوّل الوطن إلى قطع مظلمة من الفتن المتناحرة فيما بين أبنائه.

المشاركة في النشاطات تنمّي التواصل بين الطلاب

 

 

 

 

 

المعلم صابر على مهمة السهل الممتنع

 

 

المصدر :