عام >عام
مسؤولون خارج الخدمة
مسؤولون خارج الخدمة ‎السبت 3 نيسان 2021 18:49 م
مسؤولون خارج الخدمة

غازي العريضي*

في السادس من نيسان عام 2018 عقد مؤتمر سيدر. أقرّ حزمة مشاريع لمساعدة لبنان وتمكينه من تجاوز أزمته المالية. مليارات الدولارات كان يفترض أن تصرف في السوق اللبناني، كانت كفيلة بتحريك الاقتصاد وإنعاشه وتعزيز آمال اللبنانيين بالانتقال الى مرحلة أفضل. لم يكن مطلوباً سوى أن يعود لبنان والمسؤولون فيه الى طريق الواجب. طريق الأمانة. طريق الإصلاح، واتخاذ قرارات جريئة تكسبهم ثقة من شارك في المؤتمر وأبدى استعداده لتقديم الدعم بالرعاية الفرنسية طبعاً.

لم يحصل شيئ. إلا تعمّق أزمة الثقة باستعداد المسؤولين المعنيين على اتخاذ القرارات المطلوبة سواء في قطاع الكهرباء خصوصاً أو في إدارة شؤون الدولة عموماً. خسرنا الفرصة. وحصل ما حصل في نهاية العام 2019 مع الحراك الشعبي الذي عبّر عن معاناة اللبنانيين ومطالبهم. لكنه لم يرتق الى مستوى تقديم المشروع البديل وسقط في التعميم وإطلاق الإتهامات، وعدم الإستفادة من طاقات وإمكانات كثيرة، ثم إنكفأ، ولهذا حديث آخر. ولم يقم المسؤولون الأساسيون عن إدارة شؤون الدولة ورعاية مصالح الناس، السابقون، واللاحقون في حكومة تصريف الأعمال الحالية بواجبهم في اتحاذ القرارات المطلوبة، فتعمقت الأزمة أكثر ووقع الجميع في المحظور، خصوصاً بعد تفجير المرفأ. الكارثة الكبرى التي حلّت بلبنان ودوره. 

بعد يومين على التفجير كان الرئيس الفرنسي ماكرون في بيروت. وبعد عودته الى باريس عقد مؤتمراً دولياً لمساعدة لبنان وكان المطلوب واحداً. إصلاحات إصلاحات، وإدارة رشيدة حكيمة لنعيد بناء ما تهدّم ولمساعدة لبنان قبل أن ينهار. ثم جاء في زيارة ثانية في الذكرى المئوية لولادة لبنان الكبير. ثم عقد مؤتمراً دولياً ثانياً بتاريخ 2 كانون الأول 2020 للغرض ذاته. والمطلوب هو هو. ولم يفعل المسؤولون اللبنانيون شيئاً. وجهت إليهم انتقادات قاسية وتهديدات مهينة. ولم يتحركوا. صدرت مواقف دولية من جهات عديدة تحذّر من زوال لبنان. نعم، زواله كلياً ولم يأبه أحد. ولا إمكانية لتشكيل حكومة تشكل مرجعية للتعاون معها بعد اتخاذها الإجراءات المطلوبة. ولا نزال مكاننا حتى اليوم. 

في الأيام الأخيرة تحرك الرئيس الفرنسي مجدداً. أجرى اتصالات بعدد من قادة الدول طالباً المساعدة لتشكيل حكومة !! تمّ تذكير اللبنانيين، بمقررات سيدر، والمبادرة الفرنسية، ونداءات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وأعلنت شركات ألمانية إقرارها خطة لإعادة إعمار المرفأ ومحيطه المدمّر، وهذا يحتاج الى حكومة، ودعا الإتحاد الأوروبي الى تشكيل حكومة تنفّذ الإصلاحات المطلوبة لأن لبنان يمرّ بفترة حرجة وأزمات تتفاقم. 

ثمة موقف واحد، صوت واحد من الخارج، شكلوا حكومة تقرّ الإصلاحات لنبدأ البحث معكم في خارطة الطريق للخروج من الأزمة، وأعلنت دول استعدادها لتنفيذ مشاريع وإنفاق مال في لبنان متى تحقق ذلك. 

ماذا في لبنان ؟؟

المستشفيات يهجرها الأطباء والممرضون. نخسر النخب والطاقات. والمواطنون مكشوفون. لا مال لديهم لتلقي العلاج. شركات التأمين بعضها توقف عن التغطية بسبب انهيار الليرة وارتفاع كلفة العلاج !! الصيدليات ستتوقف عن العمل. نقص في الأدوية. دعم أدوية وتهريبها الى الخارج. دعم محروقات وتهريبها الى الخارج. دعم يذهب الى التجار ولم يعد ثمة سبيل لذلك. أزمة تعليم. خسارة النخب من الأساتذة. مشكلة أقساط بالنسبة الى الأهالي. مشكلة رواتب الأساتذة. كارثة أموال المودعين. مشكلة بدلات النقل. استمرار الدعم كارثة. رفع الدعم أزمة. وبنك مركزي يقول : لا مال لديه !! ظلام وعتمة يعمّان لبنان. وظلم يقع على كل اللبنانيين. معمل دير عمار ومعمل الزهراني خارج الخدمة !! فوضى. فلتان. سرقات. انتحار. مشاكل. أفق مسدود والبلد على طريق الانهيار الشامل ولا حكومة رغم الخرق الذي سجّل في الأيام الأخيرة. 

في الخارج يعملون للبلد أكثر مما يفعل بعض المسؤولين في الداخل ولا شك في أن لكل الخارج مصالح سياسية واقتصادية لكنها على أرض لبنان، والمؤتمنون عليها في مراكز القرار، المعنيون بالخلاف على تشكيل الحكومة يعيشون على أرض أخرى !!

معامل الطاقة خارج الخدمة. ومسؤولون خارج الخدمة. وآخرون في خدمة الخارج. والباقون لا يسمعون كلام الناس في الداخل وكلام المسؤولين في الخارج، ويبدو أن      " معمل السياسة " خارج الخدمة اليوم ولم يبق إلا قلة قليلة قليلة من السياسيين. ولا نتحدث عن معمل " العقل " فالعقل لا يصنّع. إنه هبة من الله... وللأسف لسنا أمام موهوبين !! بل أمام حالة مرضية صعبة.  

مرة جديدة عيب. عيب هذا الذي يجري، والكل يرى الكارثة والانهيار. 

مرة جديدة : ما قيمة السلطة أي سلطة في أي موقع أمام هذا المشهد ؟؟ أمامنا فرصة لإنتاج حكومة ولم يكن مقنعاً كل هذا الانتظار وأياً من الأعذار التي قدمها ويقدمها المعنيون بالأمر. وليتوقف السباق على من هو صاحب المبادرة. ولمن يصرّ على التفكير بهذه الطريقة نقول له: خذ شرف المبادرة وأعمل للحل. واسقط ترف المكابرة وانزل عن التل. لبنان يختنق. اللبنانيون يختنقون. 

 

وزير ونائب سابق*

المصدر : جنوبيات