عام >عام
العنبر رقم ١٢... وطني
العنبر رقم ١٢... وطني ‎الجمعة 7 آب 2020 09:59 ص
العنبر رقم ١٢... وطني

داني حداد

أخبرني صديقي طارق كرم قصّةً لم تغب عن بالي، عمّا حصل في منزله في المبنى المقابل للمرفأ، وكيف عثر على طفله أمام مستشفى، من دون أن يعرف، حتى الآن، كيف وصل الى هناك.

قصّة طارق واحدة من قصصٍ كثيرة نسمعها منذ مساء الثلاثاء، بعضها أكثر مأساويّةً بكثير. ومن أكثرها قساوةً، ربما، تلك المتعلّقة بمفقودين ما زالوا تحت الركام، أو قذفهم الانفجار الى البحر. والأهل يقفون هناك، مكسورين أمام المرفأ المدمّر، يشحذون أملاً يلمع في عينَي مسعف.
أمام هول ما جرى، على السياسيّين ألا يغضبوا من مواطن يفشّ خلقه، صراخاً أو شتماً. ومن امرأة تقف أمام منزلها المدمّر لتلعن آباء وأمّهات الزعماء. الناس في وجعٍ وصدمة ويأس، فارأفوا بهم. لا تكونوا مثل هذا التافه الذي صفع شابّاً مباشرةً أمام الكاميرا، ثمّ أكمل حديثه بهدوء. سأل عن زعيمه فصفعه. لا بأس، دعه يسأل. إنّه سؤال الغاضب، المتألّم، اليائس. غداً قد يسأل هذا الشاب عن سفارةٍ تنتشله تأشيرتها من هذا القرف الذي يعيش فيه، ونعيش، منذ وُلد ووُلدنا.
اشعروا مع المتألّمين. افهموهم. فقدوا جنى عمرهم. امنحوهم بعض الأيّام لكي يخرجوا من الصدمة. قولوا لهم إنّ المسؤولين عمّا حصل سيحاسبون. قولوا إنّ ما من خيمةٍ فوق رأس أحد. اعلنوا أنّ ما من خطوط حمراء، كما جرت العادة. اخرجوا لهم برواية منطقيّة عمّا حدث، وفي بال كلّ منّا عشرات الأسئلة عن هذا الانفجار الذي دمّر ما تبقّى لنا من أملٍ بالعيش في هذا البلد.

يشبه وطني العنبر رقم ١٢ في مرفأ بيروت. المسؤوليّات تتقاذف حوله. والإهمال والفساد يترافقان. لكنّ النتيجة واحدة: لم يخرج واحدٌ ممّن كانوا يعرفون بوجود هذه المادة الخطرة، وهم ربما خمسة أو عشرة أو عشرين أو أكثر، ليقول احذروا. ليقول اللهم إنّي بلّغت، علناً لا في أوراق حُفظت في أدراج، كمثل أيّ معاملة بسيطة أخرى.

بعد دقائق قليلة من وقوع الانفجار، حاولتُ أن أهدّئ من روع ابنتي المرتعبة. قلت لها، محاولةً التخفيف عنها، إنّ ما عاشته اليوم سبق أن عشناه مراراً في هذه الجمهوريّة التعيسة. فأجابتني: لماذا عليّ أن أعيشه أيضاً؟

لم أستطع الإجابة. كنت عاجزاً عن أن أشرح لها في ذلك الحين مقدار حبّي لهذا الوطن. وطنٌ يجلدنا منذ وُلدنا فيه. بعضنا يحبّ جلّاده...

المصدر : MTV