عام >عام
التغيير: التباس مفهومي ام فوضى الممارسة
التغيير: التباس مفهومي ام فوضى الممارسة ‎الأحد 15 أيار 2022 10:18 ص
التغيير: التباس مفهومي ام فوضى الممارسة

د. حسين عبيد

تسود في هذه الأيام، حال من الفوضى على مختلف الأصعدة والمستويات، لا سيما في الحقل المفاهيمي – الاصطلاحي، ولعل كلمة التغيير، هي من الكلمات الأكثر تداولًا، لا سيما في الآونة الأخيرة، والتي اصطبغت وأصبحت وشمًا على جبين كل مدّعي محاربة، ما يسمونها منظومة الفساد، التي تتمثل بالسلطة بالدرجة الأولى. كما لا تخلو، بشكل أو بآخر، لوائح  بعض من كانوا في السلطة من مدّعي محاربة منظومة الفساد، كما يُسمّون، من شعارات التغيير، وبكل ثقة، ومن باب التعالي، حتى لوائح السلطة بأشكالها وأنواعها، كلها تنشد التغيير، ولكن الفرق بين هؤلاء الأفرقاء، أنّ الأولى جعلت من التغيير شعارًا لها، وهدفًا، في حين أنّ الثانية تلونت واندست تحت كنف الأولى، لتحقيق مآربها بشكل مُتَخَفٍ، أما الفئة الثالثة فإنّها ترفع هذا اللواء من ضمن برامجها.

والتغير في اللغة، معناه، كما جاء، في لسان العرب: "تغير الشيء عن حاله: تحول. وغَيَّرَهُ: حولَّـه وبدَّله، كأنّه جعله غير ما كان،  أي حرّكه وبدله، التغير: التحويل والتبديل، وليس بعيدًا عن ذلك، معناه في الاصطلاحchange  انتقال أي شيء من حالة إلى حالة أخرى، أو هو ذلك التعديل الذي يتم في طبيعة أو مضمون أو هيكل شيء أو ظاهره.

هذا "التغير" لا يتخذ مسارًا واحدًا، كما أنه قد يكون إيجابيًّا تصاعديًّا، وقد يكون تنازليًّا انحداريًا بالمجتمع نحو الأسوأ، وفي مجالات متعددة، وبمستويات مختلفة.

وقد يكتسي التغير، في بعض وجوهه، معنى التبدل، حيث يتماهى التغير بالتبدل في الشكل دون سواه، كمن يغير البدلة أو القميص...
وجاء في تعريف للتغيير: أنه عملية التحول من الواقع الحالي للفرد او المنظمة إلى واقع آخر منشود مرغوب الوصول إليه خلال فترة زمنية محددة بأساليب وطرق معروفة لتحقيق أهداف معينة.
إزاء ما تقدم أحاول تسليط الضوء على مفردة التغيير، التي تلازم الإعلام والسياسة ومعتلي المنابر من كل حدب وصوب، تحسب من يتحدث بها أو يطلقها، مارد سحري، يمتلك ناصية الحلّ والعقد، ولكي ينتج حلّا أو يقوم بمعالجة، لا ينقصه سوى لمسة سحرية، على كل ما حوله وانقضى الأمر.
ولذلك في محاولة متواضعة لملامسة الحقيقة أو على الأقل مجانبتها، نحاول تسليط الضوء على الممارسة في الواقع، وفي عمليات التوظيف، ولما طاول هذا المفهوم وأمثاله من المفاهيم من دس وتزييف وتضليل، توظّف في تشويه صورة الخصم، أو العدو، خاصّة إذا كان صاحب المفهوم الشعار يمتلك قدرات وإمكانيات هائلة.

في الطاهر، كما يبدو، أن هذه الشعارات رنانة، وجاذبة، ولها مفاعيل استيعابيّة، ولكن في الواقع، وفي أحايين كثيرة، تتردد بشكل تلقائي دون التأمل في معانيها ورسم محددات لها، ولهذا نجد أنّها تفتقر إلى المرجعبة الفكريّة والثقافية التي ترتكز عليها، كما أنّ هذه المفردة تم من الناحية المفهوميّة زحزحتها من موقعيتها والزّج بها في أتون المصالح الضيقة، ما أدخلها في دائرة الالتباس والفوضى العارمة، باعتبار أنّ من يدعو إلى التغيير، قد اصطحب معه أسلحة الردع بالشتم والسباب، أو على الأقل حرف مسار الدعوة التغييرية إلى شرائح محددة دون سواها، وتشويه صورتها، في وقت كان التغاضي أو على الأقل السكوت عن ممارسات آخرين... وربما لها محمولات استئصالية للشريك في الوطن...

ولعل الغرابة بمكان أنّ الدعوات التغييريّة، قفزت فوق كل المحرمات، وتطاولت على القيم لدى بعض الأفرقاء، تحت عناوين استعادة الهويّة، أو السيادة، أو الارتكاز إلى التاريخ، المبني على سرديّة آحاديّة متعالية... في وقت ترى في قيمها أنّها تتربع على عرش ملكوت القداسة.

وهنا يسأل لمصلحة من هذا التغيير، هل هو لمصلحة الخارج، الذي يُنفذ بأدوات الداخل، أم أنّه منطلق من الداخل مدعومًا من الخارح، وفي كلا الحالين إزاء الحملات الانتخابية المسعورة التي لن توفر وسيلة إلا واستخدمتها للنيل من خصومها، وربّما ما يتوهمونه أعدائها، حسبهم ينالون الأغلبية في الانتخابات النيابية القادمة.... وما يسمى بقوى التغيير، يتبين أنّها غائبة عن المشهد، أو على الأقل تشهد ضمورًا في حضورها، مع كل الهمروجات والبروبغندات المصاحبة، التي صوّرتها، على أنّها تمثل المشهد اللبناني كلّه، في حين أنّ معظم دعاتها وعناصرها كانوا يعملون تحت سيادة حزبية تدّعي أنّها خارج السلطة ومنظومات الفساد... كما السؤال المشروع هل تسعفنا بنية النظام في عملية التغيير وإنتاح الحلول؟

وفي طيات هذه المطالعة لا يفصلنا عن نتائج الانتخابات أكثر من يوم، وفي كل الأحوال، وكيفما كانت النتائج، هل ثمة إشارات فعلية للتغيير؟ أم أنّ التغيير يبقى لغزًا، تسكنه الأحلام في الغرف السوداء؟ أم أننا ننتظر كلمة السر القابضة علينا في ما وراء البحار؟
 
 

المصدر : جنوبيات