يثبت المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، من خلال نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، قدرته على الحشد والتعبئة وجمع الأصوات وتحويل المشاركة السياسية إلى قوة انتخابية مؤثرة، رغم التحديات السياسية والاجتماعية التي يواجهها. فقد أظهرت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي أجريت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً من أصل 120، مقارنة بـ10 مقاعد في الانتخابات السابقة عام 2022، في ظل نسبة مشاركة عربية قدرت بنحو 80%.
ويعكس هذا التحول قدرة الفلسطينيين في الداخل على التأثير في توزيع المقاعد والتوازنات البرلمانية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتجاوز الإنجاز العددي، ويتعلق بقدرة الأحزاب العربية على تحويل هذا الحضور إلى تأثير سياسي ومجتمعي مستمر، خصوصاً مع تصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي ضد المشاركة العربية، وظهور خيارات جديدة بشأن تشكيل الحكومة المقبلة. وتبقى النتائج أولية حتى استكمال فرز المظاريف المزدوجة (لمن اقترع خارج مركزه الأصلي، عبر ظرف للبيانات الشخصية وظرف لاسم القائمة)، واعتماد النتائج الرسمية.
ماذا يعني حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً؟
أولاً: تعزيز الوزن السياسي والتمثيلي للفلسطينيين في الداخل
يمثل وصول التمثيل العربي في الكنيست إلى 19 مقعداً، أي نحو 16% من المقاعد، ارتفاعاً غير مسبوق في مجموع المقاعد التي تحصدها القوائم العربية. وللمقارنة، حصلت القائمة المشتركة عام 2020 على 15 مقعداً، وهو أعلى تمثيل حققته قائمة عربية واحدة. وتكتسب النتيجة الحالية أهميتها من اتساع المشاركة السياسية وتحوّل الأصوات العربية إلى حضور برلماني أكبر، لكن هذا الحضور يتوزع بين القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، اللتين تختلفان في برنامجيهما وأدوات عملهما. ومن هنا فإن زيادة عدد النواب لا تعني تلقائياً نشوء قوة سياسية موحدة، ما لم تتفق الأحزاب على أولويات وآليات تعاون واضحة.
ثانياً: التأثير في فرص الأحزاب اليمينية الصغيرة
أظهرت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست بقاء حزب "عمخا يسرائيل" اليميني المتطرف برئاسة عوفر فينتر عند نحو 1.6%، وحزب يوعز هندل ويارون زليخا عند نحو 2.6%، دون نسبة الحسم البالغة 3.25%. وقد ساهمت المشاركة العربية المرتفعة في تغيير الحسابات الانتخابية، إذ رفعت مجموع الأصوات الصحيحة، وبالتالي العدد المطلوب لتجاوز نسبة الحسم، ما ضيق فرص بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة. والمفارقة أن حزب فينتر نفسه واجه معارضة من داخل التيار الصهيوني الديني بسبب ترشيحه يوسف حداد في المرتبة الثانية على قائمته، بعدما أفتى الحاخام شلومو أفينر بعدم جواز التصويت للحزب، معتبراً أن غير اليهودي لا يجوز أن يتولى موقعاً قيادياً على اليهود حتى لو كان مؤيداً لإسرائيل.
ولكن ذلك لا يمكن اعتباره السبب الوحيد لإخفاقها؛ لأن نتائج هذه الأحزاب ترتبط أيضاً بحجم التأييد الذي حصدته وتوزيع الأصوات بين القوائم. وفي المقابل، حافظ حزب عوتسما يهوديت المتطرف، بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (7 مقاعد)، وحزب الصهيونية الدينية بزعامة وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش (6 مقاعد) على تمثيلهما البرلماني في النتائج الأولية، ما يؤكد استمرار حضور اليمين المتطرف رغم صعود التمثيل العربي.
ثالثاً: استعادة الثقة بالقدرة على التأثير الانتخابي
تكشف المشاركة المرتفعة عن تحول مهم في سلوك قطاعات واسعة من الناخبين العرب، الذين اختاروا المشاركة بكثافة في انتخابات جرت وسط تصاعد الخطاب اليميني، واستمرار الجريمة المنظمة والعنف، والتحديات المتعلقة بالسكن والأراضي والحقوق السياسية. ويشير ذلك إلى قدرة الأحزاب والمؤسسات والفاعلين المحليين على تعبئة الجمهور حول أهمية المشاركة، لكن استمرار هذه الثقة يتوقف على قدرة النواب على تحقيق نتائج ملموسة. فالناخبون الذين ساهموا في زيادة التمثيل العربي سيحكمون على هذه النتيجة من خلال ما تحققه في حياتهم اليومية ومدى قدرة الأحزاب على الدفاع عن حقوقهم.
رابعاً: توسيع القدرة على مواجهة التشريعات والسياسات العنصرية
يتيح التمثيل الأكبر للأحزاب العربية تعزيز حضورها في مؤسسات الكنيست، والمشاركة بوزن أكبر في تشكيل اللجان البرلمانية الرئيسية وتوزيع عضويتها ورئاساتها، وفق موازين القوى والاتفاقات البرلمانية، بما يشمل لجان المالية والداخلية والدستور والقانون والقضاء والتعليم والأمن القومي.
يفتح ما حققت الأحزاب العربية مجالاً أوسع لتقديم مشاريع القوانين وتوجيه الأسئلة البرلمانية والاستجوابات إلى الوزراء
كما يمنحها وزناً أكبر في التصويت على انتخاب رئيس الكنيست ونوابه، والمشاركة في تحديد الترتيبات البرلمانية التي تؤثر في إدارة الجلسات وجدول الأعمال التشريعي. ويفتح هذا الحضور مجالاً أوسع لتقديم مشاريع القوانين وتوجيه الأسئلة البرلمانية والاستجوابات إلى الوزراء وطلب عقد جلسات لمناقشة القضايا الملحة، واستدعاء المسؤولين إلى اللجان لمساءلتهم ومراقبة أداء المؤسسات الحكومية وتنفيذ التشريعات.
وتزداد أهمية هذه الأدوات في ضوء التشريعات التي أقرها الكنيست منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إذ وثق مركز "عدالة" (المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية)، في تقرير أصدره في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أكثر من 30 قانوناً رأى أنها تنتهك الحقوق الفلسطينية. ومع ذلك، لا تمنح المقاعد الـ19 الأحزاب العربية القدرة المنفردة على منع القوانين أو فرض تشكيل اللجان واختيار رؤسائها، لكنها تعزز وزنها في المفاوضات والترتيبات البرلمانية، وتوسع إمكانيات المبادرة التشريعية والرقابة والمساءلة، والتنسيق مع المؤسسات الحقوقية للدفاع عن الحقوق المدنية والقومية للفلسطينيين في الداخل.
ما هي الخيارات السياسية أمام الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة؟
تفتح النتائج الأولية أمام الأحزاب العربية مسارين مختلفَين للتعامل مع مسألة تشكيل الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظل حصول معسكر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، ومعسكر المعارضة بقيادة غادي أيزنكوت على 48 مقعداً، مقابل 19 مقعداً للأحزاب العربية. وتمنح هذه الأرقام الأحزاب العربية موقعاً مهماً في الحسابات البرلمانية، لكنها لا تضمن قبول الأحزاب الإسرائيلية التعاون معها.
يمكن للقائمة المشتركة دعم حكومة بقيادة أيزنكوت دون المشاركة في الحكومة أو تولي مناصب وزارية
يتمثل المسار الأول في إمكانية دعم القائمة المشتركة حكومة بديلة من خارج الائتلاف، من خلال التوصية على أيزنكوت بأن يكون رئيس الحكومة والتصويت لصالح منح حكومته الثقة، دون المشاركة في الحكومة أو تولي مناصب وزارية. وقد أعلن رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين، في بيان أول من أمس الأربعاء، استعداد القائمة لتوفير دعم برلماني لحكومة تنهي حكم نتنياهو، فيما أوضح أحمد الطيبي (عضو في القائمة) أن القائمة مستعدة لبحث دعم حكومة أقلية من الخارج مقابل التزامات تتعلق بمكافحة الجريمة والعنف ووقف هدم المنازل. ويتيح هذا الخيار للقائمة المشتركة الاحتفاظ باستقلالها البرلماني، والتفاوض على ملفات محددة، دون تحمل المسؤولية الجماعية عن جميع قرارات الحكومة.
أما المسار الثاني فيتمثل في احتمال مشاركة القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس في الائتلاف الحكومي نفسه، استناداً إلى تجربتها السابقة في ائتلاف بينت ولبيد عام 2021 (رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينت وزعيم المعارضة يئير لبيد). ويتيح هذا الخيار للموحدة التفاوض على اتفاق ائتلافي وبرامج حكومية وميزانيات، وربما مواقع تنفيذية، لكنه يفرض عليها مسؤولية سياسية مباشرة عن أداء الائتلاف وقراراته. ويختلف هذا المسار عن دعم المشتركة من الخارج، من حيث طبيعة الالتزامات السياسية وحدود الاستقلالية.
ومن الناحية الحسابية، يمكن أن يصل مجموع معسكر أيزنكوت والأحزاب العربية إلى 67 مقعداً، لكن تحويل هذه الإمكانية إلى ترتيب سياسي يواجه عقبات فعلية. فقد أعلن أيزنكوت سابقاً رفضه مشاركة الموحدة في حكومته، فيما رفض أفيغدور ليبرمان تشكيل حكومة أقلية أو الاعتماد على الأحزاب العربية. ومن الناحية القانونية، لا يشترط تشكيل الحكومة حصولها على 61 صوتاً مؤيداً في تصويت الثقة الأول، إذ يُشترط فقط أن يكون عدد المؤيدين أكثر من المعارضين، ما يفتح مجالاً نظرياً لحكومة أقلية. لكن تحقيق ذلك يتطلب تفاهمات سياسية ومواقف تصويت فعلية، ولا تكفي الأرقام وحدها لضمانه.
ما المطلوب داخل الكنيست وخارجه؟
يضع ارتفاع التمثيل العربي إلى 19 مقعداً الأحزاب العربية أمام مسؤولية تحويل الإنجاز الانتخابي إلى تأثير سياسي وتشريعي ومجتمعي، من خلال تطوير التنسيق بين القائمتين المشتركة والموحدة، وتحديد أولويات مشتركة تتعلق بمواجهة التشريعات التمييزية، والجريمة والعنف وهدم المنازل ومراقبة الميزانيات المخصصة للبلدات العربية، والدفاع عن الحقوق المدنية والقومية للفلسطينيين في الداخل.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية شادي الشرفا، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن أهمية هذا التمثيل تتجاوز التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة، لتشمل المشاركة في تحديد طبيعة الممارسة السياسية داخل الكنيست، من خلال تشكيل اللجان البرلمانية والعمل فيها، والتأثير في التشريعات، وتقديم مشاريع القوانين والاستجوابات ومساءلة الوزراء. ويشير الشرفا إلى أن المقاعد العربية قد تتحول إلى أصوات حاسمة في التصويت على الموازنة العامة والقوانين، خصوصاً عند تقارب موازين القوى، ما يمنح الأحزاب قدرة تفاوضية على ربط دعمها لقرارات معينة بمطالب تتعلق بإلغاء تشريعات تمييزية أو وقف مشاريع قوانين تستهدف الحقوق الفلسطينية. كما يتيح ذلك التأثير في خيارات تشكيل الحكومة، سواء من خلال دعمها من الخارج أو المشاركة في الائتلاف. لكن الشرفا يؤكد أن السؤال الأهم يتعلق بحدود التأثير خارج الكنيست، معتبراً أن العمل السياسي الفلسطيني ينبغي ألا ينحصر في المؤسسة البرلمانية وأن الحفاظ على الهوية القومية يتطلب تطوير أدوات سياسية وشعبية ومجتمعية متعددة.
كيف سيتعامل اليمين الإسرائيلي مع الصعود العربي؟
بدوره، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً، وفق النتائج انتخابات الكنيست الـ26، شكل صدمة للمستوى السياسي الإسرائيلي، معتبراً أن ردات الفعل الحالية تعكس محاولات للحد من تأثير هذه القوة الانتخابية في القرار السياسي. ويوضح أن الأحزاب العربية تتجه نحو تجاوز دور المعارضة التقليدية إلى التأثير في تشكيل الحكومة والتشريعات، وهو تحول لا يروق لقوى سياسية إسرائيلية. ويشير أبو علان إلى أن التشكيك في نزاهة الاقتراع بالبلدات العربية، وإثارة مزاعم تدفق أموال خارجية للتأثير في الانتخابات، يأتيان ضمن محاولات نزع الشرعية عن التصويت العربي. ويذكّر بأن نتنياهو أثار شبهات التزوير قبل الانتخابات، معتبراً أن اليمين يسعى إلى شيطنة المشاركة السياسية العربية والتقليل من أهمية نتائجها.
وتصاعدت هذه الاتهامات أول من أمس الأربعاء، عندما اتهم "الليكود" الأحزاب العربية بسرقة انتخابات الكنيست الأخيرة، وطالب الشرطة وجهاز "الشاباك" بالتحقيق. غير أن الشرطة أعلنت، صباح أمس الخميس، عدم امتلاكها معلومات تحقيقية أو استخباراتية تدعم الاتهامات العامة. وفي تطور موازٍ، كشفت القناة 12 العبرية أن رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، وجّه رئيس "الشاباك" دافيد زيني إلى التحقيق في شبهات تمويل أجنبي وتأثير غير قانوني في الانتخابات، دون إثبات صلتها باتهامات "الليكود".
وقد يتطور هذا التصعيد في ثلاثة اتجاهات: يتمثل الأول، في استمرار الحملات الإعلامية والسياسية التي تصور التمثيل العربي باعتباره تهديداً لهوية الدولة. والثاني، في محاولات فرض قيود تشريعية إضافية على النشاط السياسي وحرية التعبير، استناداً إلى توجهات ظهرت في السنوات الماضية. أما الثالث، فيتعلق باحتمال زيادة الضغوط على المؤسسات والناشطين العرب، خصوصاً إذا استمر ربط المشاركة السياسية العربية بالاعتبارات الأمنية.
كشف صعود التمثيل العربي صورة إسرائيل الاستعمارية
يكشف صعود التمثيل العربي إلى 19 مقعداً صورة إسرائيل الاستعمارية، إذ تقبل قوى مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات، لكنها ترفض رص صفوفهم وتأثيرهم في المشهد السياسي. ويضع هذا الإنجاز الأحزاب العربية أمام مسؤولية تحويل الحشد الانتخابي إلى عمل منظم داخل الكنيست وخارجه بالتعاون مع القوى الرافضة للمشاركة البرلمانية والتعامل مع خيارات الحكومة وفق مطالب واضحة ومواجهة التحريض وحماية الحقوق وتحقيق نتائج ملموسة تعزز المؤسسات الوطنية وتحافظ على حضور سياسي مستمر.