في غزة، لا يشبه الشتاء فصول العالم. هنا يتحوّل البرد إلى عدوّ يومي، ويغدو الليل امتحاناً جديداً للأطفال الذين لا يملكون سوى أغطية رقيقة، ولا جدران تحميهم من رياحٍ تجتاح الخيام كما تجتاح القلوب.
الأطفال هناك لا ينتظرون ألعاباً أو مدارس مشرقة؛ ينتظرون دفئاً… مجرد دفء يكفي ليمنح أجسادهم الهزيلة فرصة أخرى للحياة. تتجمّد أصابعهم الصغيرة قبل أن تتفتح أحلامهم، وتخمد ضحكاتهم تحت وطأة الصقيع الذي لا يفرّق بين وجه طفل ووجه عجوز، ولا بين خيمة وأخرى.
ووسط هذه الصورة القاسية، تتوالى الأخبار التي تزيد الجراح عمقاً، ومنها ما تلقّاه مدرب منتخبنا الوطني إيهاب أبو الجزر عندما قال وعيناه محمّلتان بالألم:
“اليوم تلقيت خبر وفاة ابنة عمي بسبب البرد في غزة.”
جملة قصيرة… لكنها تختصر حجم الفاجعة. فحين يصبح البرد سبباً للموت، ندرك أن المأساة تجاوزت حدود الإنسانية، وأن الأطفال الذين يبحثون عن الدفء ليسوا مجرد أرقام، بل قصص معلّقة بين الحياة والانطفاء.
إن ما يحدث اليوم ليس معركة مع الشتاء وحده، بل مع واقعٍ يثقل كاهل الأطفال قبل الكبار، ويحوّل تفاصيل الحياة البسيطة إلى تحديات وجودية.
ومع كل خيمة تُقتلع من الريح، ومع كل طفل يرتجف من البرد، تتأكد الحقيقة ذاتها: غزة تستحق أكثر من الصمت… تستحق الحياة