إن سياسة "العاصفة" تحمل في عمقها مفارقة وجود "الهدوء"، وهو ما يعكس وجود ضديْن في قلب الدولة؛ إذ تبرز حالة من الانقسام الحاد بين خيار استمرارية الحرب من جهة، وتوجه "دعنا نتفاوض" من جهة أخرى. غير أن اللعبة السياسية الداخلية تبدو في أساسها منقسمة، وفي الوقت نفسه متقاربة جداً مع الرؤية الإسرائيلية، كون الأخيرة الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية التي تقود مشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية". هذا البُعد يتقاطع مباشرة مع السياسة الخارجية الأميركية التي تسعى إلى غرس ثقافات ومفاهيم مختلفة في الجسد العربي بهدف تغيير بوصلته السياسية؛ ومن هنا، يتضح أن جوهر اللعبة يكمن في تفكيك الثقافة المحلية كمدخل أساسي لفرض السيادة والنفوذ.
أبعاد اللعبة السياسية الإيرانية
في المقابل، تبرز الجمهورية الإسلامية في إيران كدولة ذات بُعد إسلامي عقائدي مرجعيته "ولاية الفقيه"؛ حيث يمتزج الدين بالسياسة ليتطابقا تماماً في الرؤية والممارسة. هذه العقيدة تمنح السياسة الإيرانية نوعاً من التجذر الأصيل القائم على "صبر أيوب" والنَفَس الطويل. وتتعامل طهران مع القوى والحركات المؤيدة لها في المنطقة ليس بوصفها أحزاباً أو فصائل معزولة، بل كجزء لا يتجزأ من "أمة ولاية الفقيه".
ومن هذا المنطلق، يمكن استنتاج أن "السجاد الإيراني" يتم حياكته بدقة وصبر على امتداد الساحات في لبنان، اليمن، والعراق، مما يظهر أن القدرة التحملية في مواجهة العدو ذات بُعد إقليمي مترابط. وعلى الجانب الآخر، يصطدم هذا النفوذ بجدار من الجفاء العربي تجاه الجمهورية الإسلامية، تغذيه ترسبات تاريخية وسلسلة من الحروب وتبادل الاتهامات. ويستذكر التاريخ هنا محطة تحول رئيسية عندما احتضن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات شاه إيران وأخفاه، لتتحول مصر إثرها من الحقبة الناصرية إلى سياسة ومنعطف آخر تماماً.
المفاوضات المتعثرة وبداية العد العكسي
اليوم، يبدو أن العد العكسي قد بدأ لكتابة رواية جديدة ومختلفة تحكم العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. وهي رواية لعلها تنذر بإنفجار مواجهة جديدة نتيجة تعرقل المفاوضات الراهنة أو شدة صعوبتها.
هذه التعقيدات الدبلوماسية أدت بالتبعية إلى استمرار آلة الحرب بين "إسرائيل" والمقاومة الإسلامية في لبنان. ومع تشابك هذه الملفات وتصادم الأفكار والإستراتيجيات، يظل السؤال الكبير المطروح في أروقة مراكز القرار: من سيطلق رصاصة البدء أولاً.. أميركا أم إيران؟