جاء تدشين السعودية عمليات "خط البحر الأحمر السريع" للحاويات عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بسعة 1100 حاوية قياسية، رابطاً بين موانئ ينبع وجدة والعقبة الأردني والعين السخنة المصري، ليمثل خطوة نحو تسريع حركة التجارة الإقليمية، وتأمين خطوط ملاحة بديلة تتجاوز الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز، خاصة بعد تجدد القصف بين الولايات المتحدة وإيران، ما سلط الضوء على مدى إمكانية توفير ممر لوجستي بديل لمضيق هرمز.
وأعلنت طهران، أمس الأحد، إغلاق مضيق هرمز بعدما استهدفت بصواريخ وطائرات مسيّرة قواعد عسكرية أميركية في دول الخليج، وقال الحرس الثوري "سيُغلَق مضيق هرمز حتى إشعار آخر وحتى انتهاء التدخلات الأميركية في المنطقة، ولن يُسمح لأي سفن بالمرور عبره".
ورغم أن خط البحر الأحمر السريع، الذي أُطلق في 29 يونيو/ حزيران 2026 يركز على شحن الحاويات والبضائع الصناعية غير النفطية، مثل البوليمرات، فإنه يندرج ضمن تسارع الجهود الرامية لإعادة توجيه طرق التجارة، وتفادي الاختناقات البحرية الحرجة، وفي حين تظل سلاسل الإمداد التقليدية في الخليج تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية، فإن هذا الممر يقدم خيارات توجيه بديلة تضمن مرونة حركة شحن البضائع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فيما تؤكد تقارير الشحن الدولية أن عمليات تحميل النفط الخام في ينبع وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 10 سنوات في يونيو الماضي، حيث تواصل السعودية تحويل البراميل مع استمرار الصراع في هرمز، حسب تقرير نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd's List) المعنية بالاستخبارات البحرية والشحن الدولي، في 7 يوليو/ تموز الجاري.
وفي إطار المساعي الرامية لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي، والحد من الاعتماد على مضيق هرمز، لا تقتصر الاستراتيجية السعودية على الحاويات، بل تتعداها إلى مباحثات لتوسيع بنية خطوط الأنابيب البرية لتستوعب صادرات جيرانها من دول الخليج، وتدرس المملكة زيادة سعة خط أنابيب شرق-غرب الذي يصب في ينبع بنحو مليون إلى مليوني برميل إضافيين يومياً لخدمة دول مثل الكويت والبحرين وقطر التي تفتقر لممرات بديلة، وهو ما عبر عنه الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، الشيخ نواف الصباح، قائلاً: "نحن في مناقشات مع إخواننا في السعودية وفي الإمارات لبحث كيفية توسيع نظام خطوط الأنابيب لديهم لاستيعاب البراميل الكويتية"، في شهر يوليو/ تموز الجاري.
وينعكس مشروع خط البحر الأحمر السريع للحاويات إيجابياً على الاقتصاد السعودي، من خلال خفض تكاليف النقل، وتقليص زمن شحن الصادرات الوطنية غير النفطية، ما يرفع تنافسية السلع السعودية في الأسواق الدولية، وقد أكدت شركة "سابك" كفاءة المسار الجديد، بعد تصدير أول شحنة من البوليمرات عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع الذي يتمتع بطاقة مناولة ضخمة تصل إلى 210 ملايين طن سنوياً، فيما تسعى المملكة، من خلال هذه المبادرات، إلى زيادة الصادرات غير النفطية، وتوطيد مكانتها مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث تماشياً مع أهداف رؤية 2030، بحسب تقدير نشرته منصة ترانسبورت إدفانسمينت (Transport Advancement)، المتخصصة في شؤون النقل والخدمات اللوجستية، في 29 يونيو/ حزيران الماضي. وبالنسبة لباقي دول الخليج فإن هذه الممرات البديلة تخفف من حدة الاختناقات الناجمة عن الاضطرابات العسكرية التي تشلّ الملاحة البحرية، وهو ما عاد للتفاقم بعد تجدد القصف في مضيق هرمز.
إعادة تموضع لوجستي
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ"العربي الجديد"، أن تدشين السعودية خط البحر الأحمر السريع للحاويات عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع يمثّل خطوة استراتيجية مدروسة لإعادة تعريف موضعها اللوجستي على خريطة التجارة البحرية العالمية، حيث يربط هذا الخط الذي تشغله شركات ملاحة عالمية كبرى، بالتعاون مع القطاع الخاص السعودي، ميناء ينبع مباشرة بموانئ رئيسية في شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، مستهدفاً سعة استيعابية أولية تعزز تدفق السلع والمنتجات البتروكيماوية والصناعية. ويؤشر التحليل التشغيلي لهذا المسار إلى اعتماده على جدول زمني منتظم للرحلات البحرية، ما يقلص زمن الترانزيت بنسبة تتراوح بين 20 و30% مقارنة بالمسارات التقليدية التي تمرّ عبر مضيق باب المندب، أو تلتف حول شبه الجزيرة العربية، ومن المتوقع أن يتوسع الخط في مراحله المقبلة، ليشمل ربطاً تكاملياً مع موانئ خليجية وأفريقية أخرى، ما يحول ينبع من مجرد ميناء لتصدير المنتجات الهيدروكربونية إلى مركز لوجستي محوري لتجارة الحاويات وإعادة الشحن، كما يوضح الخوري.
وتأتي هذه الخطوة، حسب الخوري، في سياق نقاش هيكلي أوسع حول مدى قدرة الممرات البديلة على تقليل الاعتماد التاريخي على مضيق هرمز بوصفه شرياناً أساسياً للتجارة الخليجية، لافتاً إلى أن القراءة الدقيقة للبنية الاقتصادية للمضيق توضح أن خط البحر الأحمر السريع لا يمثل بديلاً إحلالياً مباشراً له، نظراً لطبيعة البضائع المشحونة، إذ يخدم مضيق هرمز أساساً تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، بينما يركز خط ينبع الجديد بالكامل على تجارة الحاويات والبضائع العامة والمنتجات التحويلية.
وتكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع، وفق تقييم الخوري، في كونه جزءاً من رؤية سعودية أشمل لتقليل التبعية الجيوسياسية المترتبة على حصر المنافذ البحرية في الخليج العربي، وهو توجه يتكامل عضوياً مع البنية التحتية القائمة، مثل خط أنابيب النفط شرق-غرب، ما يمنح الرياض مرونة جغرافية تتيح نقل ثقلها التجاري والصناعي نحو ساحل البحر الأحمر، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد، وجعل المملكة منصة ربط بين القارات الثلاث. ويضفي الظرف الأمني الراهن أبعاداً معقّدة على هذا التحول، بحسب توصيف الخوري، خاصة مع عودة التهديدات المباشرة للملاحة البحرية، واستهداف سفن تجارية في المنطقة، وإغلاق المضيق.
=ناقلة النفط العملاقة شينلونغ، المسجلة بعلم ليبيريا وتحمل النفط الخام، كواحدة من أولى السفن التي وصلت إلى الهند وسط أزمات الشرق الأوسط، وذلك في ميناء مومباي بعد إبحارها عبر مضيق هرمز قادمة من ميناء رأس تنورة في السعودية.
طاقة
السعودية نحو خفض حاد في أسعار نفطها لآسيا... والكويت تكثف مبيعاتها
ويحمل تدشين هذا الخط انعكاسات متباينة على المشهد اللوجستي في منطقة الخليج العربي، إذ يساهم المشروع مباشرة في تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية المتطورة للسعودية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع الموانئ الإقليمية الكبرى، مثل جبل علي في دبي، أو ميناء حمد في الدوحة، التي هيمنت تاريخياً على حركة إعادة الشحن، وقد يؤدي الخط الجديد إلى تحويل جزئي لتدفقات الحاويات المتجهة إلى أوروبا وشمال أفريقيا، بعيداً عن موانئ الخليج، مما يفرض واقعاً تنافسياً جديداً، وفق رؤية الخوري للتحولات الإقليمية.
خطوة استباقية
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ"العربي الجديد"، إلى أن السعودية من طليعة الدول التي تبنّت رؤية بعيدة المدى بشأن الاستراتيجية اللوجستية للمواد النفطية وغير النفطية تاريخياً، إذ بدأت هذه الخطوة الاستباقية عام 1981 عندما استشعرت الخطر الناجم عن اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ما دفعها إلى إنشاء خط الأنابيب "شرق-غرب" الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر من حقول المنطقة الشرقية في الدمام إلى موانئ ينبع على البحر الأحمر. وتضم ينبع حالياً 3 موانئ رئيسية، أحدها مخصص للبترول والبتروكيماويات، بينما كان الثاني مخصصاً أساساً للخط العراقي الذي يضخ النفط من جنوب العراق وتحديداً حقل غرب القرنة، وقد جرت مصادرة هذا الخط عام 2001 مقابل استيفاء ديون مستحقة على العراق لدى السعودية، ما يعكس عمق الترابط اللوجستي والتاريخي بين البنية التحتية السعودية والمسارات الإقليمية للإمداد النفطي، كما يوضح طه.
ويتمثل الهدف الأساسي من تدشين خط الحاويات الجديد، حسب طه، في الابتعاد قدر الإمكان عن التصعيد العسكري المستمر والمخاطر الجيوسياسية، والرغبة في تقليل الهيمنة على الممرات المائية الحيوية، حيث تعتبر هذه المضايق ممرات عالمية، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، وهي اتفاقية ملزمة تنص على مبدأ العبور الآمن أو البريء، ما يستوجب البحث عن بدائل عند وجود مخاطر تهدد حرية الملاحة.
ويتوقع طه أن يشهد المستقبل مزيداً من رفع الطاقات الإنتاجية وطاقات التحميل والتفريغ في الموانئ القائمة على البحر الأحمر، مثل ميناء ينبع وميناء جدة والموانئ الأخرى المطلة عليه، بحيث تتحرك الحركة التجارية في الاتجاهين شمالاً وجنوباً ضمن البحر الأحمر، ما يعزز كفاءة الشبكة اللوجستية، ويوفر مرونة أكبر في مواجهة التحديات الأمنية المحتملة.
وتتضمن الرؤية الشاملة أيضاً، حسبما يرى طه، إمكانية إنشاء خطوط سكك حديدية وبرية، تمتد لتصل إلى سوريا ولاحقاً إلى تركيا، سواء عبر السكك الحديدية، أو النقل البري، أو كليهما، وهو ما يربط الموانئ السعودية بشبكات نقل إقليمية أوسع، ويعزز دور المملكة محوراً لوجستياً يربط بين القارات.