2 صفر 1448

الموافق

السبت 18-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم لماذا نكتب؟... لأن الكلمة لا تموت
لماذا نكتب؟... لأن الكلمة لا تموت
د. عبد الرحيم جاموس
2026-07-18
لماذا نكتب؟... لأن الكلمة لا تموت

 

ليست الكتابة ترفًا فكريًا، ولا مجرد هواية تمضي مع الوقت، وإنما هي فعل وعي، ورسالة، ومسؤولية. فالإنسان يكتب لأنه لا يقبل أن يكون شاهدًا صامتًا على الحقيقة، ولا متفرجًا على الظلم، ولا رقمًا عابرًا في سجل الحياة.

نكتب لأن الكلمة كانت، عبر التاريخ، بداية كل نهضة، ومقدمة كل إصلاح، وشرارة كل ثورة على الجهل والاستبداد.
 فما من فكرة غيّرت العالم إلا وبدأت كلمة، وما من حضارة صنعت مجدها إلا ورفعت من شأن العقل والقلم والمعرفة.
ونكتب لأن الذاكرة الإنسانية تحتاج إلى من يحرسها. فالأحداث تمضي، لكن الكلمات الصادقة تبقى شاهدة على زمانها، تحفظ الحقيقة من النسيان، وتصونها من التزييف، وتمنح الأجيال القادمة فرصة أن تعرف ما جرى كما كان، لا كما أراده المنتصرون أن يُروى.
غير أن الكتابة ليست مجرد نقل للأحداث، بل هي قراءة لها، وتحليل لأسبابها، واستشراف لنتائجها. إنها محاولة لفهم الإنسان قبل الحكم عليه، وفهم الواقع قبل تغييره. ولهذا كانت الكتابة الجادة فعلًا من أفعال المسؤولية، لا صناعةً للإثارة، ولا بحثًا عن الشهرة، ولا سباقًا لجمع الإعجابات.
وفي زمن تتدفق فيه الأخبار والشائعات بلا ضابط، وتختلط فيه الحقيقة بالرأي، تصبح الكلمة الأمينة أكثر قيمة من أي وقت مضى. 
فليس المهم أن نكتب كثيرًا، بل أن نكتب بصدق، وأن نحترم عقل القارئ، وأن نقدم له معرفةً تضيء الطريق، لا ضجيجًا يبدد الرؤية.
وللكلمة وجهان؛ فهي قادرة على أن تبني كما تستطيع أن تهدم، وأن توحد كما يمكن أن تفرق، وأن تصنع الأمل كما قد تنشر اليأس. 
ولذلك فإن الكاتب الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد القراء، وإنما بقدر ما يتركه فيهم من أثر، وما يضيفه إلى وعيهم من فهم، وإلى ضمائرهم من يقظة.
إن الكتابة ليست مهنة فحسب، بل شهادة. والكاتب شاهد على عصره، ومسؤول أمام ضميره، وأمام التاريخ، عن صدق ما يكتب وعدالة ما يدافع عنه. وقد يملك صاحب السلطة القوة، ويملك صاحب المال النفوذ، لكن الكاتب لا يملك إلا الكلمة؛ فإذا خانها خسر رسالته، وإذا صدقها بقي أثره بعد أن يغيب.
نكتب لأن الإنسان يرحل، بينما تبقى الأفكار. وتذبل الأصوات، بينما تستمر الكلمات الصادقة في إلهام العقول وتحريك الضمائر. وكم من كاتب رحل منذ قرون، وما زالت كلماته تنبض بالحياة، لأنها كُتبت بإخلاص، وانحازت للحقيقة، ودافعت عن الإنسان.
لهذا نكتب... 
لا لنملأ الصفحات، ولا لنطلب تصفيقًا أو شهرة، بل لنؤدي واجبًا تجاه الحقيقة، ونصون الذاكرة، ونزرع الوعي، ونؤمن بأن الكلمة الحرة قد تتأخر في الانتصار، لكنها لا تُهزم. 
فالأقلام قد تُكسر، والأوراق قد تُحرق، أما الفكرة الصادقة، فإنها تجد دائمًا طريقها إلى العقول والقلوب، وتبقى أطول عمرًا من أصحابها، لأن الكلمة التي تُكتب بصدق لا تموت.
د. عبدالرحيم جاموس 
الرياض
17/7/2026م

أخبار مماثلة