من البديهي لكل مراقبٍ للوضع اللبناني أن يدرك، بما لا يقبل الشك، أن اللبناني يمتلك سلاحاً فتاكاً في مواجهة الحروب والأزمات، على اختلاف أنواعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو القدرة على تحويل الآلام إلى آمال، وصناعة مساحاتٍ للإبداع والتّطور من قلب الأزمات والمحن.
ومن النماذج التي تجسّد هذا النهج، ابن بلدة عيتا الفخار في البقاع، المغترب اللبناني منذ أكثر من ثلاثة عقود، إبراهيم ناصر، الذي لم يغب لبنان يوماً عن وجدانه، فقرر أن يحوّل شغفه بالعمل الثقافي والفني والاجتماعي إلى مشروعٍ متكامل حمل اسم "Baitima"، المستوحى من منطقة "وادي Baitima" الأثرية في البلدة، والتي تعود إلى الحقبة الرومانية.
وقد حظي المشروع بدعم ابنته ناستاسيا، إلى جانب احتضان ومساندة عدد من أبناء البلدة المؤمنين بفكرته.
ويقول ناصر: "بدأنا عام 2022، ومنذ انطلاقة المركز نظّمنا مجموعة واسعة من الأنشطة الثقافية والفنية، وكان هدفنا الأساسي الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي والحضاري لمنطقتنا، والتذكير الدائم بقيمته وأهميته، وصولاً إلى خدمة الوطن بأسره".
ويضيف: "يعكس مبنى المركز هوية البلدة وتراثها، ويجسد طبيعة النشاطات التي يحتضنها. وقد ركزنا على محاور عدة، أبرزها صون الثقافة المحلية والذاكرة الجماعية، ودعم المبادرات التي تعزز العمل التشاركي والبناء المجتمعي، واستثمار الطاقات والقدرات الكفيلة بصناعة غدٍ أفضل. ونسعى إلى تحقيق ذلك عبر أنشطة نوعية وغير تقليدية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن دور النخب والشباب يشكل الركيزة الأساسية لأي تغيير وطني، على مستوى الإنسان والعمران".
ويختم ناصر بالقول: "من هذا المركز، ومن المبادرات المشابهة، يمكن أن ينبثق فجر لبنان الجديد. فأعظم ثروة يمتلكها هذا الوطن هي رأس المال البشري، سواء لدى اللبناني المقيم أو المنتشر. وعندما تتوافر الأطر الحاضنة للثقافة والفنون والإبداع، يصبح استثمار هذه الطاقات ممكناً، أما في غيابها، فمن الصعب تحويل الإمكانات البشرية إلى قوة فاعلة في بناء الوطن".