1 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 14-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم التعاون الإسرائيلي - اليوناني… من "درع أخيل" إلى سباق التسلح مع تركيا
التعاون الإسرائيلي - اليوناني… من "درع أخيل" إلى سباق التسلح مع تركيا
العميد محمد الحسيني
2026-09-14
التعاون الإسرائيلي - اليوناني… من "درع أخيل" إلى سباق التسلح مع تركيا

قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، كانت طروادة، الواقعة على الساحل الغربي لآسيا الصغرى في الأراضي التي تُعرف اليوم بتركيا​، مسرحًا لحرب كبرى بين الإغريق والطرواديين. وفي قلب تلك الملحمة برز «​أخيل​»، الذي قتل هيكتور قبل أن تسقط المدينة بحيلة الحصان الشهيرة. واليوم، يعود الاسم نفسه إلى جغرافيا شرق المتوسط لكن بصورة مختلفة: منظومة دفاع جوي يونانية متطورة تحمل اسم «درع أخيل»، يطورها الكيان الإسرائيلي لصالح ​أثينا​ في صفقة تقارب ثلاثة مليارات يورو.

قد لا يحمل الاسم رسالةً رسميةً مباشرة إلى تركيا، لكن استحضاره في ظل التنافس المزمن بين أثينا و​أنقرة​ يمنحه دلالةً جيوسياسيةً لافتة، فيتحول «أخيل» إلى رمز لتعزيز القدرة العسكرية اليونانية. وتكشف الصفقة عن تحوّل أعمق في العلاقة بين تل أبيب وأثينا، من التعاون المتدرج إلى ارتباط جيواستراتيجي متنامٍ.

لم تكن هذه العلاقات على هذا النحو دائمًا؛ إذ ظلت اليونان لعقود أقرب سياسيًا إلى العالم العربي والقضية الفلسطينية. ورغم اعترافها بالكيان الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع عام 1949، لم تُقم معه علاقات دبلوماسية كاملة إلا عام 1990. ومع نهاية الحرب الباردة، وتطوير تل أبيب لشراكة واسعة مع أنقرة خلال التسعينيات، تابعت أثينا ذلك التقارب بقلق، على الرغم من خلافاتها البحرية والحدودية مع تركيا.

وشكّلت حادثة السفينة ​Mavi Marmara​ عام 2010 نقطةً فارقة في مسار العلاقات الإسرائيلية–التركية، إذ أعقبها تدهور حاد في هذه العلاقات. ومع تراجع تلك الشراكة، اتجه الكيان الإسرائيلي نحو اليونان وقبرص لبناء شراكة استراتيجية جديدة شملت المناورات والتعاون العسكري والأمن البحري، وهو مسار عززته اكتشافات الغاز في شرق المتوسط.

أما منظومة «درع أخيل» فتتكون من شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تدمج David's Sling و​SPYDER​ وBARAK MX​ مع رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة متكاملة، إلى جانب نقل التكنولوجيا ومشاركة الصناعة اليونانية. ورغم عدم وجود ما يُعلن استهداف تركيا بالمنظومة، فإن أنقرة حاضرة بقوة في الخلفية الاستراتيجية للصفقة، بسبب النزاعات القائمة حول إيجه وقبرص والحدود البحرية، إضافةً إلى التنافس الإسرائيلي–التركي المتصاعد.

لكن هذا التعاون لا يخلو من عوائق تقنية وعملياتية معقدة؛ إذ يطرح دمج منظومات تسليح وبرمجيات إسرائيلية، غير تابعة لحلف ​الناتو​، داخل بنية القيادة والسيطرة العائدة لهذا الحلف تحدياتٍ تتعلق بأمن الاتصالات، ومشاركة البيانات الحساسة، وقابلية التشغيل البيني (Interoperability). وقد تُقيَّد هذه الفجوة التقنية التكاملَ العملياتي الكامل للشبكة اليونانية، إلا إذا تحوّلت إلى مدخل لدمج المنظومة الإسرائيلية ضمن بنية الناتو، بما يحقق طموح الكيان الإسرائيلي في الاندماج العملي مع الحلف من دون عضوية رسمية فيه. وفي الوقت نفسه، يدفع هذا التطور أنقرة إلى تسريع مشروعها المحلي «القبة الفولاذية» لتقليص الاعتماد على الخارج.

وتكتسب هذه التطورات دلالةً إضافية عند مقارنتها بطبيعة المساعدات اليونانية للجيش ال​لبنان​ي؛ ففي وقت تبني فيه أثينا شبكة دفاعية متطورة ومتعددة الطبقات، تسلّم الجيش اللبناني منها هذا العام 26 ناقلة جند من طراز M113 و20 شاحنة STEYR 680، وهي معدات تنتمي إلى أجيال تقنية قديمة. وتُبرز هذه المفارقة التباينَ الصارخ بين مسار التحديث العسكري اليوناني المتسارع وحجم الدعم المحدود الموجّه إلى بيروت.

ختامًا، تتجاوز «درع أخيل» حدود المنافسة اليونانية–التركية؛ إذ قد يُفضي تراكم القدرات العسكرية لدى الفريقين إلى سباق تسلح يُضيف مستوى جديدًا من التوتر إلى شرق المتوسط. ومع تنامي الدور التركي في سوريا، لا تعود تشعبات هذا السباق محصورةً بين أثينا وأنقرة، بل تتصل بإعادة تشكيل بيئة النفوذ الإقليمي الممتدة من بحر إيجه إلى سوريا ولبنان، في ظل استمرار الصراع مع العدو الإسرائيلي. ويتزامن ذلك مع توسّع شبكة الشراكات الدفاعية المحيطة بتركيا، ولا سيما بعد اتفاق مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، بما يعكس اتجاهًا متصاعدًا نحو بناء أطر أمنية تتجاوز حدود شرق المتوسط. ومن هذه الزاوية، لا تبدو «درع أخيل» مجرد صفقة دفاعية، بل مؤشرًا إلى تحوّل أوسع تصبح فيه الشراكات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية أدواتٍ لإعادة توزيع النفوذ وموازين القوة في الإقليم.

النشرة
أخبار مماثلة