10 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأربعاء 23-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة الفلسفة في يومِها: فكُّ الحصار
الفلسفة في يومِها: فكُّ الحصار
خالد كمّوني
2026-09-23
الفلسفة في يومِها: فكُّ الحصار

اليوم العالَميّ للفلسفةِ جاءَ هذا العام في لحظةٍ يتلاشى فيها الإنسانُ بيوميّاته، إذ لا مجالَ لرفع الرأس أحياناً فوق الحدَث حتّى يتمَّ تسريب الفهْم من ذهنٍ متعالٍ إلى فعلٍ يسيل. ليسَ في الأمرِ مبالغة ٌالبتّة أن نشهدَ الإنسانَ ذا اللّحمِ والدمّ يتساوى في الحسابات الرِّبْحيّة مع كائنٍ شريكٍ له هو الذكاء الاصطناعي المملوك من طَرَفِ فئة تهيمن من خلال قدرتِه على الأمور كلّها؛ إذ إنّ الكينونة الفاعلة تقتضي بحسب هذه الوضعيّة المُستجدَّة، النَّظرَ إلى الفاعليّة، ليس من جهة الإبداعِ البشريّ على مستوى كشْف العالَم، وإنّما من جهةِ الإبداعِ عيْنه في تغيير العالَم.

ولمّا صارت الفكرةُ تُضاهي عيشَ الفكرةِ، فإنّ الخطر قد تسلَّلَ إلى الحيثيّة الوجوديّة التي يجري فيها تطبيق الفكرة. قلقد صارَ مُمكناً لدى بعض الفاعلين أن يملأوا الكينونة الحدَثيّة بأفعالٍ خالية من المعطى الإيتيقي بالمُطلق. كأنّ التقدُّمَ التقانيَّ قضاءٌ وقدر، حلَّ في العالَم، فأحال البشرَ إلى كائناتٍ قَبْلِيّة، وجودها يسبِقُ ماهيّة الحضور المؤثِّر في عالَم اليوم.
 

هل أنا موجود؟!

ليس غريباً أن يسأل الإنسانُ الفردُ نفسَه هذا السؤال اليوم؛ إذ إنَّ تفقُّدَ حال الذّات لا يهبّ مُستيقظاً إلّا وقتَ الإحساس بأنّ قوَّةً أخرى هي الأقدر على السيطرة في هذا العالَم والتحكُّم بالأمور. وما تحسُّسُ الذّات سوى الوعي التدبُّري بوضعيّة الكيان في وجودٍ مشتركٍ بينه وبين الآخر. ومن المهمّ الإشارةُ في هذا السياق المبدئي، إلى أنّه مهما كان وقْعُ قوّة الآخر قويّاً على النَّفسِ، فإنّ التفكيرَ يُحاولُ ما أمكنه تجاوُزَ الهالة الكبرى للمَشاهد الضخمة، إنّه يقاوِمُ الآخر المتوهَّم عندَه حتّى يحتويه في فكرةٍ تُعيد إليه القدرةَ على الذهاب الحُرِّ إليه.

إنّ الإنسانَ لا يبدأ علاقاته المفتوحة بالأشياء خاضعاً لها، بل يتشبَّثُ بالوقوف إلى جهةٍ تقابِلُ ما يَنظر إليه على أنّه محاولةٌ في الطغيان. لذا تقتضي الندِّيّةُ التفكيرَ بدهيّاً بالقَوامةِ على ما ليس بإنسان، والتفكير بالشراكةِ مع الآخر البشري. أمّا الاكتفاء والخضوع لِما هو في الاعتبار الأنطولوجي دون مستوى الإنسان في القيمة الوجوديّة، لتفوُّقِ العاقل على ما ليس بعاقل، فهذا ما لا يَقبله الإنسان. لذلك إنّ الإنسان في قرارة نفسهِ، أينما كان، يَرفض سيادة المال عليه وسيادة الصناعة والتجارة وكلّ منتجات العلوم التطبيقيّة، فكيف إذا كانت هذه الأشياءُ كلّها مملوكةً من طَرَفٍ واحد، بل مُصادِرةٌ القدرة على استثمارها، إلّا من جهةٍ واحدةٍ فاعلةٍ في الواقع؟!

من هنا يتحسَّسُ المَرءُ ما يفقده كلّما نَظر إلى مصادر القوّة الرّاهنة، فيُدرِك أنَّه يمارِسُ الخضوع والتطامُنَ الإجباري لتوجُّهٍ سياسي بعيْنه لإدارة العالَم، وهو ما لا يؤدّي في خاطِره إلى الاطمئنان والتنعُّم برغد العيش. كما أن إنسانَ اليوم يموت إذا لم يقبَل بسياسة النظام العالَمي الراهنة، وقد يتعرَّض لحروب إبادة جماعيّة تفني الأماكن من ساكنيها! لم يعُد الإنسانُ اليوم قيمةَ القيَم في إنسانيّة قد تقبلُ موتَه كلّ مرّة، كما يصرِّح بذلك قادةُ الدول والجيوش على شاشات الإعلام وكلّ منصّات التواصل الاجتماعي وبوقاحةٍ لا يَردعها رادعٌ في المحافل والمؤسّسات الأمميّة والدوليّة. ثمّ تأتي هذه الألسنة لتُناقشَ في مستقبَل الأزمات، أي في فكرة إمكان وجود هذا الإنسان نفسه مستقبلاً حيثُ هو.

صار حتميّاً أن يُدرِكَ المرءُ أنّ لا حيثيّة ينطلقُ منها لتعيين نفسِه، إلّا إذا بقي صامتاً ينتظِرُ الآخرَ المُهيمن أن يُحدِّدَ له كيفيّة حضورِه في المشهد الاستثماري المُمكن اقتصاديّاً! صار البقاءُ حظّاً يرتجى، على الرّغم من كلّ التقدّم العلمي الذي من الواجب أن يُستثمر لإدامة البقاء وحفْظ سيرورة الحريّة فيه.
 

هل الأنا اليوم مُهمّة؟

لمّا كان المشهدُ الراهن قد فَوَّقَ الأشياءَ على الذوات، وسيَّدَ بعض الذوات على جميعها، دونما كفاءَةٍ، تُدرك معنى السيادة الحرّة، بل لامتلاكِها واستئثارها بكلّ الأشياء التي تمكِّنُ من الهيْمَنة على العالَم، فإن انبعاثَ الفلسفةِ صار واجباً لا بدّ منه لمُقاوَمة البؤرة الرّاهنة للقيَم الفاشلة، والتي تؤدّي إلى تسييد الذوات المارقة على المؤسّسات الراهنة، وبالتالي جعْل الذوات الإنسانيّة في موقع العبد لدى الذوات المُدمَجة. وما أقصدُه بالذوات المُدمَجة هو هذه النفوس التي استطاعت التخلّي، عبثاً، عن حدود إنسانيّة القيَم لتبدأَ صناعةَ هُويّةٍ جديدةٍ تمكِّنُ صاحِبَها من استساغة التخطِّي القصدي للوضعيّة الإنسانيّة للأخلاق. فإذا ما تكاثرت الذوات المُدمجة، استطاعتِ الترويج لرفض القيَم الأولى، تلك النّابعة من الضمير الإنساني الحيّ، وذلك باقتراحِ شريكٍ وجوديّ ذي فاعليّة تغييريّة متفلِّتة، وهو الذكاء الاصطناعي الممسوك من قِبَلِ إدارات السياسة والمال في العالَم.

إنّ تسخيف القيَم الأولى للكائن البشري كفيلٌ بتطويعه لقبول هيْمنة الحال التي صارت أقوى منه من جهة التأثير والقبول، لأنّها أُدمِجَت بسرعةٍ تتخطّى التفكيرَ التأمُّلي الذي من شأن الفلسفة والفكر الإنسانيَّيْن أن يَظهرا به. وقد أدمِجَت الذوات الآليّة مع الآلات عيْنها في مناهج التعليم والتصنيع والتجارة والعسْكرة وكلّ الأمور الدقيقة، فباتَ الكائنُ المفكِّرُ عينُه كينونةً هامشيّة تعيش بمحاذاة الحدث الواقع الذي تديره كينونةٌ مركزيّة للذوات المُدمجة.
 

هل نعود إلى الفلسفة أم نبعثها في معترك الحوادث الرّاهنة؟

ليست وظيفةُ الفلسفةِ الوعْظَ، ولا من شأنها أن تبُثَّ قيمَ التذكُّر والتفاخُر بماضٍ أخلاقي عريق ولا البكاءَ أو التأسِّي على أطلالِ ممالِك الشعر والأدب فحسب، بل إنّ عليها مسؤوليّة المبادرة إلى إعادة اللُّحمة بين الإنسان والحَدَث، بحيث تَستخدِمُ تقنيَّات التفكير الناجعة في جعْل الإنسان يَرفع رأسَه مجدَّداً ليفكِّر في موطئ قدمَيْه. وما اقتبالُ مشهديّة الواقع إلّا السعي لربْطِ مضامين العلوم الإنسانيّة بأشياء الواقع عيْنها، بحيث لا تخلو الساحة لذهنيّاتِ الرِّبْح فتُهيمن هذه بطغيانها النّفعي السريع على التعقُّل البشري الرصين للعالَم.

إنّ الفيلسوف اليوم هو الإنسانُ الواعي بإنسانيّته، هذا الذي يفرِضُ دوامَ العلاقة الحرّة بين الإنسان والأشياء، بين العقل والآلة، بين الراحة والمال،... إلخ. لا يُمكن للآلةِ أن تفهمَ عناصِرَها بذاتِها، من دون الكائن الفاهِم لكلّ شيء، لذا عليه ألّا يستغني عن قدراتِه. فالكسلُ عدوُّ التفلْسف، أي هو المانعُ الوحيد من بناء المنظومة القِيْميّة بين العاقل والمعقول. إنّ سرعةَ مفارقة مقام العقل قد تحدثُ بسرعة إذا ما خضعَ ذو العقل بإرادته المتراخية لأشياء الواقع.

ما علينا فعله هو المبادرةُ إلى إعادة بناء مؤسّساتنا التعليميّة والمعاهد الجامعيّة كافّةً لتغدوَ دُورَ تثقيفٍ حرّ، من شأنِها أن تَسْتَشكِلَ العالمَ مجدّداً أمامَ أعيُنِ قارئيه الحُصَفاء. والقارئ الحصيفُ هنا هو الكائن الذي يحاول التفكير في وجوده وحضوره وفاعليّته في كلّ الوقت. إنّ القارئ لا يكلُّ ولا يَنثني، بل هو دائم الاتّصال بالعالَم من جهة التفكير للتغيير.
 

العدالة التكنولوجيّة

علينا التفكير في جدوى الفلسفة التي نتدارسُها، فلا نَقبل بالعمل التكراري أو الاستذكاري للنصوص الفلسفيّة على الرّغم من كلّ مثارات الدهشة والغرابة التي تَستدعي التأمُّل من جديد، أي التفلْسف اليوم. من هنا لا يُمكن للمُجتمعات الرّاهنة أن تضمنَ بقاءها إلّا إذا فَهمتِ الحاجةَ إلى الفلسفة في فتْح آفاق التفكُّر الإبداعي في العالَم. إنّ الإنسان المشتغل بالفهْم هو الكائن الموجود اليوم، أمّا الإنسان الراضي بالمفاهيم القائمة أو المُتوارَثة، فلن يجدَ مكاناً يقطنه في عصر الذكاء الاصطناعي.

وما ذهنيّة الاحتلال وإخلاء الأوطان من شعوبها، أو إخلاء المؤسّسات من عمَّالها البشر، واستبدال الكائن ذي اللّحم والدمّ بالكائن ذي الخوارزميّات المؤتلفة بحسب أنظمة العمل والإنتاج، سوى مَشاهد من الحياة الحاضرة. لذا علينا التفكير بإحداث مُمكنات العيش بالعقل البشري الإبداعي وعدم الاستهانة باستبعاد الإنسان من دائرة الوجود، إذا كان لا ينسجم مع مُمكنات الهيْمنة الرقميّة الرّاهنة.

إنّ وظيفة الفلسفة تكمن في أن تلازِمَ الفكرةُ يومَها، وهذا يَستدعي التنبُّه لحياة العقل في كلّ كائن. علينا أن نؤسِّس للفهْم منذ اللّحظات الأولى لتشكُّل الوعي عند الأطفال، ومواكبة نموّ الكائن الحيّ ببثِّ الأفكار التي تُحرِّر الكائنَ في سيرورة الفهْم والتأمّل. والخطّةُ تقتضي منّا العمل على تزويد المناهج التربويّة بخططٍ مدروسةٍ للعناية بالبناء اللّغوي للفرد، الذي يُمهِّد لتشكيل المنظومة الثقافيّة المُنفتحة عنده، وإدخال الدرس الفلسفي بما هو آليّة لخلْق الفرد المُبدع، ووسيلة للاستثمار الحقيقي في إنسان الجيل الجديد. إنّ الفلسفة هي المحفّز للإنسان على أن يَرتبط بالانشغال الحثيث في الفهْم، بحيث يغدو كائنّاً قادراً على تفسير الظواهر الكونيّة من حوله، أي القدرة على استثمار الفهْم في إبداع المعاني الجديدة للعلاقة بين الإنسان والعالَم، فيبلغ في اشتغاله مآلاتٍ تفكُّ عنه الحصارَ الذي طوَّقَه به المالِكون للتكنولوجيا والمال، بأن يُصبح شريكاً في التوزيع العادل للثروة.

إنّ العدالة التكنولوجيّة اليوم تَقتضي أن نكرِّس كلَّ الإبداع العلمي في سبيل حياةٍ أفضل، فلا يَدخل الشرُّ إلى تفكير الإنسان بإلغاء الإنسان، سواء من مالكي الثروة والتكنولوجيا لغَير مالكيها أم العكس، إذ إنّ نموّ الأفكار من خارج الواقع العلمي والتقني يؤدّي إلى التطرُّف والتخطيط للإرهاب والعنف والتدمير. فكلا القطبَيْن مدعاة لقتل الإنسان، إذا خلا الفكر من فلسفة تَفهم هذا الكائن وتَرتقي بأدائه الحرّ في العالَم.

اللواء
أخبار مماثلة