لم تعد فرنسا أمام احتجاجات مدرسية. ما يجري اليوم هو انفجار اجتماعي وسياسي تتقاطع فيه أزمة التعليم مع الغضب الاقتصادي، وتراجع الثقة بالدولة، وتصاعد الاستقطاب، فيما تقترب البلاد من انتخابات رئاسية ستحدد اتجاه الجمهورية لسنوات مقبلة.تعلم الاقتصاد
في السادس من أكتوبر، خرج أكثر من ربع مليون شخص إلى الشوارع، وانضمت النقابات والمعلمون إلى الطلاب، فيما تعطّلت مئات المدارس ووقعت مواجهات مع الشرطة واعتقالات وإصابات. وتقول السلطات إن أكثر من 6100 شخص أوقفوا منذ بدء الاحتجاجات، غالبيتهم من القاصرين.
لكن الأخطر من حجم التظاهر هو تحوّله إلى مادة انتخابية قبل أوانها.
الطلاب يحتجون على نقص المدرسين، واكتظاظ الصفوف، وتردّي الأبنية التعليمية وطول اليوم الدراسي. هذه مطالب حقيقية، ولا تحتاج إلى نظرية مؤامرة لتفسيرها. لكن ما إن نزلت هذه المطالب إلى الشارع حتى دخلت الأحزاب على الخط، وتحوّلت المدارس إلى مسرح للصراع السياسي.
الحكومة تتهم اليسار الراديكالي، وخصوصاً «فرنسا الأبيّة»، بالوقوف وراء تأجيج الحركة واستغلالها، بينما ينفي الحزب ذلك ويتهم السلطة باستخدام الشرطة وتحويل الاحتجاج إلى معركة سياسية.
وهنا تكمن المفارقة: كل طرف يقول إنه يدافع عن الشباب، بينما يحاول في الوقت نفسه تحويل غضب الشباب إلى رصيد انتخابي.
فاليمين المتشدّد يرى في الفوضى فرصة لطرح الأمن والهجرة واستعادة سلطة الدولة في مقدمة الحملة الرئاسية. واليسار الراديكالي يرى في الغضب الطلابي فرصة لتعبئة الشارع ضد الحكومة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. وبينهما تتحوّل مطالب المراهقين إلى ذخيرة في معركة الكبار.
وهذا أخطر ما في المشهد.
لأن الطالب الذي يطالب بمدرس أفضل لا ينبغي أن يصبح مجرد أداة في حملة انتخابية، كما أن الحكومة التي تواجه عنفاً في الشارع لا تستطيع استخدام العنف لتغطية فشلها في معالجة أصل المشكلة.
فرنسا تعاني بالفعل من معادلة مالية خانقة. الدين مرتفع، كلفة الاقتراض تتزايد، والنمو ضعيف، فيما تحتاج المدارس إلى إنفاق إضافي. وقد تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات 5% مؤخراً، وهو أعلى مستوى له منذ عقود، ما يزيد صعوبة تمويل وعود اجتماعية جديدة.
أي أن الدولة مطالبة بإطفاء حريق اجتماعي في الوقت الذي تضيق فيه قدرتها المالية على شراء الهدوء.
وهنا تظهر الطبقة الأعمق من الأزمة. ففرنسا لا تعاني فقط من نقص مدرّسين أو مبانٍ متداعية. إنها تواجه جيلاً يشعر بأن الدولة التي وعدته بالمساواة والعدالة والفرص لم تعد قادرة على ضمان مستقبل واضح.
وفي الضواحي، تتراكم المشكلة أكثر: البطالة، السكن، ضعف الخدمات، الهجرة، والتوتر مع الشرطة. لا يمكن اختزال كل ذلك في الهجرة، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن ملف الهجرة والهوية أصبح جزءاً أساسياً من المعركة الانتخابية.
ثم تأتي المواجهات في الشوارع لتفتح باباً أخطر. لا يجوز تبرير التخريب أو الاعتداء على الشرطة، لكن استخدام القوة ضد قاصرين يمكن أن يحوّل الاحتجاج من قضية تعليمية إلى قضية سياسية وأخلاقية. وقد أصيب مئات الطلاب والعاملين وأفراد الشرطة، فيما فَقدَ فتى في الخامسة عشرة يده في حادث مرتبط باستخدام قنبلة للشرطة.
عند هذه النقطة يصبح خطر التصعيد مضاعفاً: كل إصابة يمكن أن تتحوّل إلى شعار، وكل مواجهة إلى دعاية، وكل صورة إلى سلاح انتخابي.
وهذا ما يجعل الأشهر المقبلة حسّاسة للغاية.
إذا بقيت الحركة في إطار المدارس، فقد تتمكن الحكومة من احتوائها عبر إصلاحات محددة. أما إذا التحقت بها قطاعات النقل والطاقة والخدمات العامة، وتحوّلت إلى ائتلاف واسع من الغضب الاجتماعي، فإن فرنسا ستدخل مرحلة مختلفة تماماً.
حينها لن يكون الصراع بين طلاب وحكومة، بل بين قوى سياسية تحاول إعادة تعريف مستقبل الجمهورية.
الخطر الحقيقي على فرنسا ليس أن تحترق مدرسة أو تُغلق محطة قطار.
الخطر أن تتحوّل كل أزمة اجتماعية إلى معركة انتخابية، وكل معركة انتخابية إلى تعبئة للشارع، وكل تعبئة إلى مواجهة مع الدولة.
عندها يصبح المواطن وقوداً، والطالب ورقة ضغط، والشرطة أداة في المشهد السياسي، والأزمة الاجتماعية مجرد منصة للصعود إلى قصر الإليزيه.
وهذا هو الحد الفاصل الذي ينبغي ألا تتجاوزه فرنسا.
فإذا دخلت الجمهورية انتخاباتها الرئاسية المقبلة وهي عاجزة عن الفصل بين مطالب الشارع ومصالح المتنافسين على السلطة، فلن تكون المشكلة أن فرنسا ستسقط؛ بل أن الديمقراطية نفسها قد تدخل الانتخابات وهي أكثر انقساماً، وأقل ثقة، وأكثر قابلية للانفجار.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن لا تكون انتخابات 2027 نهاية الأزمة الفرنسية، بل اللحظة التي تختار فيها فرنسا أي نوع من الأزمات ستعيش بعدها.
* حزب الحوار الوطني