29 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 12-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة حروب "إســـرائيل" علينا
حروب "إســـرائيل" علينا
د. قصي الحسين
2026-10-12
حروب "إســـرائيل" علينا

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، خرجت الدول الكبرى إلى المعاهدات وإلى الاتفاقيات، وإلى بناء المحاور. كان عليها، أن تحسب حسابا لتجدّد الحرب. اختارت الطريق الذي يقوّيها ويثبّتها ويعلي من مقامها ومن قدرها بعد الحرب، وكأن الحرب لا تزال أمامها.

على أساس من ذلك، رأينا العالم يذهب إلى ثلاثة محاور: شرقي وغربي، ولا شرقي ولا غربي، بل بين بين. وعرفت تلك المرحلة، بالحرب الباردة، أي أن جمرها قد دفن تحت الرماد، ولا بد أن يذرى الرماد، إذا ما هبّت عاصفة، فتعود النيران لتأخذ مكانها.

اشتغلت الحرب الباردة شغلها. وتهاوى المشروع الشرقي بها، وإنفرط عقد الدول فيه. وصار المحور الغربي، أمام معجزة بقائه أو زواله، لأنه لم يعد له ما يبرره. ومنذ ذلك التاريخ وهو ينازع البقاء، ولا يجد من يقوّيه أو يشغله، فظل في ثلاجة الوقت، ينتظر حتى يحين حينه.


دارت حروب صغيرة، كثيرة ومتفرقة، منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، في آسيا وأفريقيا، وفي القارة الأميركية نفسها. وكانت جميعها، عبارة عن حروب تجريبية، حتى لا تنسى الحروب نفسها في جبانة الموتى. ثم إستيقظ العالم فجأة على دولة إسرائيل، بإعتبارها دولة تشتهي الحرب وتعمل لها سرّا وعلانية، فأفسحوا لها جميعا، وقال العالم كله: وجدتها.

نهضت إسرائيل، وراء جدار الحرب الباردة، وأدارت مشروع تأسيسها، بالإنفراد وبالتعاون مع من يتعاون معها، عرفت أن تأخذ من كل شيء بطرف، وبَنَتْ دولتها وقوّت حضورها. وصار جيشها سدنة الحرب، جهّز نفسه للتدخّل، في المنطقة الرمادية من العالم، عرفت بمنطقة الشرق الأوسط.استكشف التاريخ

كل يوم تقوى إسرائيل، وتضمر الدول المجاورة. تتوسّع بإرادة من دول العالم أجمع. تقاتل بأسنانها وأنيابها. ويقف العالم خلفها يستطلع أخبارها: كيف تهدم المدن، وكيف تزيل الحدود وتمحوها، وكيف تستعمل الأسلحة الخارقة.

وجد العالم فيها بديلا له عن المشاركة، يكون حيث يكون بها، ولا يكلّف نفسه عناء المخاطرة، فهي الحرب وما بعدها، تعد جميع دول العالم بحصة منها على طريقتها. وتتقدم من الحرب واثقة بنفسها، فهي ذراع العالم في التغيير والتشكيل، وإعادة البناء، للمئوية القادمة.

إسرائيل صارت قدر هذا الشرق، وصارت وحدها القوة الضاربة. تراها اليوم تتوسّع، حيث تريد أن تتوسّع. تدرس حاجتها في التوسّع بكل دقة. ولا تتأخّر عن توسّعها، لحظة واحدة، إذا ما كان ذلك في بنكها.

كل الأسلحة جائزة لها، وهي تصلها من مكانها ومن مخازنها، للدعاية والتجربة. تحتل حيث تريد أن تحتل، وتنذر الناس على الهواء مباشرة، وتمهلهم ساعة أو نصف ساعة، فيندفعون في الهروب من أمامها، لأنه يعرفون مدى ملاءمتها.

العالم كله، أوكل لإسرائيل، أن تكون وريثته، بعد الحرب العالمية الثانية. هكذا فعلت بريطانيا، وهكذا فعلت روسيا، وهكذا تفعل فرنسا. ولا حاجة لنسمّي العم سام في أميركا، لأنه هو الذي يدعمها، وتقف كل أساطيله الحربية خلفها.

أبطلت إسرائيل منذ قدومها إلى فلسطين، كل مبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة، وأنهكت مجلس الأمن من كثرة المراجعة، وطوت تحت جناحيها دول الشرق والغرب، وصارت وحدها «العقاب الكاسرة» في سماء المنطقة. خرّبت المطارت على مهل، وحجرت على الطائرات، حتى صارت خربة. ولم تعد هناك من طائرة مواجهة لها، تردّها عن غيّها، أو تحسب حسابا لها. صارت إسرائيل على الأرض، كما في السماء، القوة العظمى المطلقة.استكشف التاريخ

إسرائيل باتت، رأس سدنة الحروب، مكلفة بنا، تتبعنا حيثما كنا. وإذا رأت ما لا يعجبها، ترسل إلينا طائراتها. ما عادت الأنفاق تحمينا، ما عادت التلال تنقذنا، ما عادت المطارات تردّ عنا، ما عادت الدول تسمع بنا، خرجت بنا إلى مضيق هرمز، وغادرتنا، تركتنا هناك لأقدارنا، نواجه مصائرنا، أنفسنا بأنفسنا، بعدما سلبتنا قرانا ومدننا. فلماذا لا ندرك ذلك، بعد كل ما جرى علينا؟

إسرائيل سادنة الحروب القائمة و القادمة علينا!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

جريدة اللواء
أخبار مماثلة