مع اقتراب انتهاء ولاية القوات الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل» في 31 كانون الأول المقبل، يستعدّ لبنان للدخول في مرحلة دقيقة بدأت الأسبوع الماضي باتصالات سياسية ودبلوماسية للبحث عن صيغة تحفظ الاستقرار، والاستعدادات اللبنانية الرسمية لمواجهة مرحلة لا تزال ملامحها النهائية غير واضحة.
وفي الوقت الذي يتمسّك فيه لبنان بأهمية استمرار الحضور الدولي في الجنوب، تحرك الاتحاد الأوروبي على خط موازٍ لتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية، في محاولة لتفادي أي فراغ قد يترتب على انتهاء المهمة الأممية.
ولا يبدو هذا الاستحقاق منفصلاً عن مجمل التطورات التي تشهدها المنطقة، ولا عن طبيعة المرحلة التي يمرُّ بها لبنان، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية بالسياسية، وتفرض الوقائع الميدانية البحث عن ترتيبات تحول دون انزلاق الجنوب إلى مرحلة جديدة من التوتر. ومن هنا، تتجه الاتصالات اللبنانية نحو تأمين مظلة دولية للمرحلة المقبلة، فيما تسعى العواصم الأوروبية إلى بلورة دور يضمن استمرار دعم الدولة اللبنانية، من دون أن يعني ذلك الحلول تلقائياً مكان «اليونيفيل».
وقد اكتسبت في هذا الإطار زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى بيروت الأسبوع الفائت، واجتماعاتها مع المسؤولين اللبنانيين، أهمية تتجاوز الإعلان عن مبادرة أمنية جديدة. فقد شكّلت الزيارة مناسبة لبحث مستقبل التعاون بين لبنان والاتحاد الأوروبي، ومصير الوجود الدولي في الجنوب، والخيارات المطروحة لتجنّب نشوء فراغ أمني بعد انتهاء ولاية القوات الدولية. وجاءت المحادثات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توضيح الموقف الأوروبي من المرحلة المقبلة، وتحديد ما يمكن أن تقدمه الدول الأوروبية للبنان، سواء عبر دعم الجيش والقوى الأمنية أو من خلال المشاركة في أي صيغة دولية قد يجري الاتفاق عليها.
واللافت في الموقف الأوروبي أنه يميّز بوضوح بين مسارين متوازيين: الأول يتعلق بتعزيز المؤسسات الأمنية اللبنانية، والثاني بمستقبل الحضور الدولي في الجنوب. فكالاس أكدت أن البعثة الأوروبية الجديدة ليست بديلاً من «اليونيفيل»، مشيرة إلى أن استمرار وجود دولي في جنوب لبنان لا يزال موضع نقاش، وأن الاتحاد الأوروبي مستعدّ للعمل مع لبنان والأمم المتحدة والدول المعنية للبحث في المرحلة التالية. كما شدّدت على ضرورة ألا يؤدي انتهاء المهمة الأممية إلى فراغ أمني، وعلى أهمية أن يستند أي وجود دولي مستقبلي إلى تفويض من الأمم المتحدة.
هذا الموقف يعكس إدراكاً أوروبياً لحساسية الانتقال من صيغة قائمة منذ عقود إلى ترتيبات جديدة، خصوصاً أن دور «اليونيفيل» لا يقتصر على الانتشار الميداني، بل يشمل مراقبة الوضع على الخط الأزرق، والتواصل بين الأطراف، والمساهمة في خفض التوتر وتسهيل تنفيذ القرار الدولي 1701. ولذلك، فإن أي قوة جديدة، ستحتاج إلى تحديد واضح لمهماتها وصلاحياتها، وإلى إطار قانوني يحظى بتوافق دولي، فضلاً عن قبول لبناني يضمن عدم المساس بالسيادة الوطنية.
وفي موازاة هذا المسار، اتخذ الاتحاد الأوروبي أمس الأول قراراً بإنشاء بعثة لدعم المؤسسات الدفاعية والأمنية اللبنانية، بولاية أولية تمتد ثلاث سنوات. وتتمثل مهمتها في تقديم المشورة والمساعدة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بما يعزز السيطرة على الأراضي، وأمن الحدود، والأمن الداخلي، إلى جانب دعم جوانب من إدارة الأمن البحري. وتشكّل هذه الخطوة تطوراً مهماً في التعاون الأمني بين بيروت وبروكسل، لكنها لا تعني أن الاتحاد الأوروبي حسم مسألة القوة التي يمكن أن تتولى مهاماً دولية في الجنوب بعد «اليونيفيل».
ومن شأن البعثة الجديدة أن تفتح المجال أمام تعاون أوسع في التدريب وتطوير القدرات، وتحسين مراقبة الحدود ومكافحة التهريب، وتعزيز التنسيق العملاني بين المؤسسات الأمنية. غير أن ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة ستبقى مرتبطة بحجم الإمكانات التي ستوضع في تصرف المؤسسات اللبنانية، وبمدى قدرة الدولة على تحويل الدعم الخارجي إلى خطة متكاملة تعزز حضورها الفعلي على الأرض.
ويرى مصدر سياسي مطّلع في هذا السياق ان لبنان، يواجه تحدّياً مزدوجاً: فمن جهة، عليه مواصلة اتصالاته السياسية والدبلوماسية لتأمين صيغة دولية تحول دون ترك الجنوب أمام مرحلة انتقالية غير مضمونة النتائج؛ ومن جهة ثانية، عليه تعزيز جهوزية الجيش وتوفير الموارد اللازمة لتمكينه من الاضطلاع بمسؤولياته. ولا يكفي في هذا المجال الاكتفاء بإعلان الدعم أو إطلاق المبادرات، بل المطلوب ترجمة الالتزامات إلى خطوات عملية تتصل بالتجهيزات والقدرات البشرية واللوجستية والاستمرارية المالية.
ويؤكد المصدر ان الانتقال إلى قوة متعددة الجنسيات جديدة لا يزال يحتاج إلى تفاهمات سياسية وقانونية، وإلى اتفاق على طبيعة المهمة والجهات المشاركة فيها. ومن هنا، فإن إنشاء البعثة الأوروبية لدعم المؤسسات اللبنانية لا يغلق النقاش حول مستقبل الجنوب، بل يجري بالتوازي معه، في انتظار تبلور صيغة أكثر وضوحاً للمرحلة المقبلة.
وفي رأي المصدر السياسي الحراك اللبناني - الأوروبي حتى الآن يشكّل محاولة استباقية للتعامل مع مرحلة دقيقة، لكنه لا يقدّم حتى الآن جواباً نهائياً عن شكل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، ومن هنا يبقى الرهان على الوصول إلى تفاهم يضمن انتقالاً منظماً لا يترك الجنوب مكشوفاً أمام احتمالات مقلقة.