2 جمادى الأولى 1448

الموافق

الأربعاء 14-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بين "ضرائب الدولة وجيوب المواطن"... خُوّةٌ رسمية تكشف حجم العجز المالي!
بين "ضرائب الدولة وجيوب المواطن"... خُوّةٌ رسمية تكشف حجم العجز المالي!
وفاء بيضون
2026-10-14
بين "ضرائب الدولة وجيوب المواطن"... خُوّةٌ رسمية تكشف حجم العجز المالي!

لا شكّ في أنّ تطورات المنطقة وتسارع أحداثها لم يلقيا بظلالهما الأمنية والعسكرية على الإقليم فحسب، بل انعكسا أيضاً انكماشاً اقتصادياً وتقلبات مالية طالت أبرز البورصات، ولا سيما أسواق الطاقة العالمية. فقد كشفت الحرب الإيرانية - الأميركية، والحرب اليمنية - السعودية، حجم ارتباط الاقتصاد العالمي بأمن الممرات المائية، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب.

وإذا أضفنا الإنفاق العسكري إلى هذا المشهد، نرى كيف ألقت الحروب المتنقلة في المنطقة، ولا سيما في لبنان، بظلالها على مسار الحركة المالية، في ظل تطويق لبنان بالعقوبات واستهداف رؤوس الأموال التي يمكن أن تسهم في تنشيط حركة الاستثمار والتداول في السوق اللبنانية.

لكن ليس من المقبول أن نُرجع كل إخفاق للدولة إلى التطورات الإقليمية، وأن نلقي عليها وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. فغياب الرؤية المبرمجة وترشيد الإنفاق لا يشكّلان واجباً شعبياً فحسب، بل يقعان أيضاً في صلب مسؤولية الحكومة، التي يفترض بها وضع خطط فاعلة لترميم العجز المالي، وابتكار الحلول عبر الاتفاقات الدولية، قبل أن تتكئ على كتف المواطن وتسلبه آخر ما يسعى إلى تأمينه من مقومات العيش.

ففي بلد يحتاج إلى إيرادات لتمويل الدولة وخدماتها وإعادة الإعمار، لا تكمن المسألة في مقدار ما يدفعه اللبناني فحسب، بل في مدى اتساع القاعدة الضريبية التي تسهم في تمويل الخزينة، وفي ما إذا كانت القواعد نفسها تُطبَّق على الجميع، أم أنّ الاستنسابية لا تزال تحكم كثيراً من الحالات.

ومن هنا، تبدو حاجة الدولة إلى المال مبرراً سهلاً، في الظاهر، للبحث عن إيرادات تسدّ العجز وتشكّل مورداً إضافياً للخزينة. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: من أين سيأتي هذا المال؟ وكيف يمكن لأي حكومة أن تدير الشأن العام وتضمن الاستقرار الاجتماعي، من دون العمل على بناء اقتصاد منتج بدلاً من الارتهان للاقتصاد الريعي، وتجنّب انفجار الشارع تحت وطأة الضغوط المعيشية؟

في لبنان، تبدو المسألة أكثر تعقيداً، وفقاً لخبراء المال والاقتصاد. فمجرد رفع ضريبة أو استحداث رسم إضافي يُربط مباشرة بأزمات المالية العامة، التي خرجت من سنوات طويلة من الانهيار، في وقت تفرض فيه إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية والإنفاق على مؤسسات الدولة احتياجات متزايدة، بينما يحاول الاقتصاد استعادة نشاطه وسط ظروف شديدة الصعوبة.

ويزداد المشهد تعقيداً مع ربط الحلول الدولية، سواء عبر صناديق المساعدات أو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بالتزامات وإصلاحات قد تتجاوز قدرة لبنان على تحمّل تبعاتها في ظل الانقسام الداخلي الحاد حول عدد من الملفات السيادية.

وفي الثامن عشر من أيلول عام 2026، نُسب إلى صندوق النقد الدولي قوله إن مشروع موازنة عام 2027 يستهدف وضعاً مالياً متوازناً، ويتضمن إجراءات لتعزيز الامتثال الضريبي. كما أُشير إلى أنّ زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12 في المئة، التي أقرّها مجلس الوزراء في الأصل لتمويل زيادات الأجور والتقاعد التي أُقرّت في شباط، لم تدخل حيّز التنفيذ بعد. وشدّد الصندوق، وفقاً للنص المنقول، على ضرورة تعزيز الإيرادات ضمن إطار مالي متوسط المدى، محذّراً من زيادة الإنفاق من دون تأمين الموارد المقابلة، تفادياً لتعثّر الدولة في تحقيق الانتظام المالي المطلوب.

وإذا تعمّقنا في جوهر المشكلة، نجد أنّ من حق المواطن أن يحصل على حقوقه من الدولة، فيما تلتزم الدولة بواجباتها تجاهه، ولا سيما لجهة توفير مقومات العيش الكريم، بدءاً من المياه والكهرباء، مروراً بالطبابة والتعليم، وصولاً إلى البنى التحتية التي يدفع المواطن، من جيبه، ثمن تدهورها وانهيارها، في غياب التوازن المطلوب بين ما يدفعه وما يحصل عليه من خدمات، وبما يراعي تفاوت دخول الأفراد وقدراتهم المالية.

من هنا، لا تعني العدالة الضريبية أن يدفع الجميع المبلغ نفسه، بل أن يخضع أصحاب المداخيل والأنشطة المتشابهة لقواعد متقاربة، وأن تتناسب المساهمة الضريبية مع القدرة على الدفع، وفقاً لتكليف يحدّده القانون بعدالة، ويراعي تفاوت الدخول ومصادرها وقيمتها لدى الأفراد.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أنّ المشكلة تتفاقم وتتسع بفعل الاقتصاد النقدي. فقد اعتبر صندوق النقد الدولي أنّ الحدّ من التعامل النقدي بصورة مفرطة يتطلب عودة القطاع المصرفي إلى العمل بصورة سليمة، لأنّ الاقتصاد الذي يعتمد بكثافة على النقد يصعّب تتبّع المعاملات ويضعف قدرة النظام المالي على تحويل المدّخرات إلى تمويل للقطاع الخاص.

لكن المسألة لا تقتصر على الجانب المالي. فالشركة التي تسجّل أعمالها، وتدفع ضرائبها، وتتحمّل كلفة الكهرباء والموظفين والضمان الاجتماعي، وتلتزم بالمتطلبات القانونية، تجد نفسها أمام أعباء واضحة ومباشرة، في حين تبرز تساؤلات حول مدى خضوع مختلف الأنشطة الاقتصادية للقواعد نفسها، ومدى قدرة الدولة على توسيع نطاق الامتثال الضريبي.

وهنا يتقدّم السؤال الاقتصادي الأساسي: كم من الإيرادات تستطيع الدولة تحصيله من القاعدة الاقتصادية القائمة، إذا أصبحت الجباية أكثر كفاءة وعدالة؟

فالفرق بين المسألتين كبير؛ إذ تتعامل الأولى مع جيوب المكلّفين الموجودين أصلاً داخل النظام الضريبي، بينما تبحث الثانية في حجم الإيرادات التي يمكن للدولة استعادتها من خلال معالجة ضعف الإدارة والتحصيل، وتعزيز الامتثال، والحدّ من اتساع الاقتصاد النقدي، بما يخفّف الضغط عن المواطنين الذين يرزحون، في الوقت نفسه، تحت وطأة سيطرة كارتلات تتحكم بخدمات حيوية، من الكهرباء والمحروقات إلى مختلف السلع الأساسية.

في المحصلة، تتعمّق الأزمة حين يشعر المواطن بأنّ التزامه الضريبي يضعه في موقع أضعف، لأنّ الدولة لا تقابله بما يستحقه من خدمات وعدالة. فالعدالة المطلوبة ليست تلك التي تطلب من المواطنين دفع المزيد فحسب، بل التي تستطيع أن تقول لهم بوضوح: «القاعدة واحدة، والجباية واحدة، والمسؤولية واحدة».

وعندها فقط، يمكن أن تتحول الضريبة من فاتورة يسعى الناس إلى التهرّب منها متى استطاعوا، إلى جزء طبيعي من العلاقة بين المواطن والدولة، بما يتيح استقامة الحركة الاقتصادية، ويحدّ من تحميل أصحاب الدخل المحدود أعباء إخفاقات السياسات العامة.

أما أن تعطي الدولة بيمينها، ثم تمدّ يدها بالشمال إلى جيوب مواطنيها، من دون إصلاح فعلي أو تحسّن ملموس في الخدمات، فذلك ما يجعل الضريبة تبدو، في نظر المتضررين، أقرب إلى خُوّةٍ تُفرض بالقانون، فيما تبقى المشكلة على حالها، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر.

اللواء
أخبار مماثلة