4 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 16-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية غزة... إبادة معالم المدينة الفلسطينية وذاكرتها
غزة... إبادة معالم المدينة الفلسطينية وذاكرتها
2026-10-16
غزة... إبادة معالم المدينة الفلسطينية وذاكرتها

تبدّلت ملامح مدينة غزة منذ العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعدما اختفى أو تضرر كثير من معالمها التي اعتاد سكانها الاستدلال بها على الطرق والأحياء. ومع اتساع حجم الدمار، أصبحت أماكن كثيرة يعرفها السكان جيداً في ذاكرتهم تشكّل تحدّياً في التعرف إليها وإيجادها على الأرض.

على امتداد ثلاثة أعوام من الحرب، لم يقتصر التغيير على المنازل والأحياء السكنية، بل طاول أيضاً المشهد الذي كان يمنح مدينة غزة شخصيتها الخاصة، شوارع وميادين كانت تعج بالمارة والمتاجر، وساحات كانت تجمع العائلات، ومبانٍ تاريخية حملت ذاكرة أجيال، وأسواق ومساجد تحولت إلى ركام أو تعرضت لأضرار كبيرة، تاركة وراءها مدينة يصعب على أبنائها التعرف إليها.

يظهر حجم الخسارة في التراث العمراني والثقافي للقطاع في بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، التي وثقت حتى 24 مارس/آذار 2026 أضراراً لحقت بـ164 موقعاً ثقافياً في غزة، بينها 128 مبنى ذات أهمية تاريخية أو فنية، و14 موقعاً دينياً، وتسعة معالم، ومتحفان، وثمانية مواقع أثرية، إضافة إلى مستودعات للممتلكات الثقافية.

فقدت مدينة غزة معالمها الأساسية التي كانت تميزها على مدار العقود الماضية، فتحول شارع عمر المختار الرئيسي إلى مساحات واسعة من الركام والغبار، فيما طاول الدمار عدداً من المعالم الموجودة على امتداده أو بالقرب منه، مثل مبنى بلدية غزة التاريخي، وهو مبنى ذو أهمية معمارية محلية، إلى جانب مبنيي سينما النصر وسينما السامر، فضلاً عن مواقع ومعالم أخرى في المدينة القديمة.

كانت ساحة الجندي المجهول واحدةً من العلامات المعروفة في مدينة غزة، وارتبط اسمها بذاكرة سكان المدينة ومناسباتهم وحياتهم اليومية، وقد تحولت إلى ساحات للنزوح الجماعي. وفي البلدة القديمة، كان المسجد العمري الكبير أحد أبرز الرموز البصرية للمدينة، فهو أقدم مساجدها وأكبرها، ويمثّل جزءاً من المشهد الذي ظل حاضراً في ذاكرة سكانها لقرون، وقد تعرض المسجد لأضرار جسيمة لحقت بالمبنى ومئذنته، وهي واحدة من العلامات التي كانت تميز المدينة القديمة.


في حي الدرج، كان قصر الباشا واحداً من أبرز الشواهد على تاريخ غزة الممتد عبر عصور مختلفة، وقد كان متحفاً يضم مقتنيات وآثاراً من تاريخ المدينة، وتعرض القصر لأضرار كبيرة خلال الحرب، وتحولت أجزاء كبيرة منه إلى أنقاض، ولم يبق سوى أجزاء من جدرانه وعناصره المعمارية.

يشكّل توثيق التاريخ ضرورةً لحماية الذاكرة الفلسطينية من النسيان

يقول الكاتب الفلسطيني حسام أبو النصر لـ"العربي الجديد" إن غزة واحدة من المدن الخمس المؤسِّسة لفلسطين، ما يفسّر، برأيه، استهدافها المتواصل من الغزاة والاحتلال الإسرائيلي، باعتبارها مدينة تُذكر في قلب التاريخ الفلسطيني. يوضح أن الأشهر الستة الأولى من الحرب شهدت تدمير ما بين 70 و80% من المواقع الأثرية والتاريخية في غزة، إذ طاول الاستهداف نحو 206 مواقع من أصل 325 موقعاً، مشيراً إلى أن "التسلسل التاريخي لغزة شكّل عقدة سياسية لدى الاحتلال"، ما يدفعه إلى محاولات طمس حضورها التاريخي والحضاري.

يشير أبو النصر إلى تدمير المسجد العمري الكبير والصغير، ونحو 130 بيتاً أثرياً، وسباطي العلمي وكساب، والكنائس الرئيسية الثلاث، بينها كنيسة برفيريوس ومجلس الكنائس الذي استُهدف، ما أدّى إلى استشهاد أكثر من 22 فلسطينياً كانوا بداخله. يقول كذلك إن الاحتلال استغلّ الحرب وحالة الارتباك الدولي والصمت العربي في بدايتها لتدمير مواقع تاريخية، بينها حمام السمرة الذي يعود إلى العهدين المملوكي والعثماني، وقصر الباشا وغيرها، وتحويلها إلى ركام.

كذلك يوضح أن استهداف المعالم والرموز التاريخية يمثل محاولة لكتابة التاريخ بطريقة مختلفة، مؤكداً أن هذه المواقع هي أدلة مادية تحتاج إليها الأجيال القادمة لمعرفة تاريخها، مضيفاً: "نحن نموت، وتبقى هذه الدلائل للأجيال القادمة". ينتقد أبو النصر ما يصفه بازدواجية معايير المجتمع الدولي، قائلاً إن "يونسكو" توفر حماية دولية للمواقع الدينية والأثرية، بينما "لم تحمِ أي موقع فلسطيني دمر خلال الحرب".

يشكّل توثيق التاريخ ضرورةً لحماية الذاكرة الفلسطينية من النسيان، ليظل التاريخ الفلسطيني حاضراً رغم تعاقب الحضارات والقوى المختلفة، من اليونانيين والرومان والبيزنطيين والفرس والصليبيين إلى الانتداب البريطاني. يعتبر أبو النصر أن تجذر الفلسطينيين في أرضهم هو الأساس لحفظ الدلائل المادية التي تركها شعب عاش فيها وما زال متمسكاً بها.

لم يسلم باقي المعالم التاريخية والأثرية من الدمار، وفي مقدمتها حمام السمرة؛ أحد أقدم المعالم التاريخية في غزة، ومركز رشاد الشوا الثقافي الذي دمّره الاحتلال كاملاً، إلى جانب تدمير سوق القيسارية التاريخي، وغيره من البيوت الأثرية والمعالم التاريخية والرموز والمجسمات التي كانت تميز المفترقات.

يقول رئيس نقابة المهندسين - فرع غزة شادي أبو زنادة لـ"العربي الجديد" إن معالم مدينة غزة تعرضت لتغيير جوهري وكبير نتيجة الحرب التي استمرت على مدار ثلاث سنوات، طاولت مختلف جوانب الحياة العمرانية للمدينة.

استهداف المعالم والرموز التاريخية يمثل محاولة لكتابة التاريخ بطريقة مختلفة

يوضح أبو زنادة أن الحرب غيّرت ملامح غزة، بدءاً من البنية التحتية والشوارع والمفترقات العامة التي كانت تشكل علامات مميزة للمدينة، وصولاً إلى مداخلها الرئيسية، ما جعل الزائر اليوم يجد صعوبة في التعرف إلى معالمها السابقة. ويشير إلى تجريف عدد كبير من المفترقات والمداخل والبنية التحتية وتدميرها، ولا سيما في شارعي الرشيد وصلاح الدين، إلى جانب تدمير الأبراج والبنايات المرتفعة التي كانت من أبرز ملامح أفق المدينة.

يضيف أن الدمار طاول كذلك المعالم التاريخية والأثرية في البلدة القديمة بمدينة غزة، ومنطقة الزهراء وسط القطاع والمناطق الشمالية، في محاولة لإخفاء معالم المدينة ومحو صورتها التراثية والتاريخية، مؤكداً أنّ كل ما كان يدلّ على غزة تاريخياً وحضارياً، من مبانٍ ومعالم، تعرّض للاستهداف والتدمير. يقول إن الهدف من ذلك هو محو المدينة وما يربط الفلسطيني بأرضه، لكنّه شدد على أن الاحتلال لن ينجح في قطع هذه الصلة الأصيلة، قائلاً إن الشعب الفلسطيني يمتلك قدرة عالية على التعافي والتكيّف.

ويشير إلى أن السكان بدأوا، منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بإعادة رسم جزء من معالم المدينة، ولو رمزياً، إلى جانب محاولات إعادة الحياة إلى المناطق التي دُمّرت كاملةً، مؤكداً أن استعادة ملامح غزة ستبدأ من قدرة أهلها على إعادة الحياة إلى المكان.

ورغم حجم الدمار، بدأت جهود محلية متواضعة لحماية ما يمكن إنقاذه من التراث الثقافي والملامح العامة، عبر العمل على تثبيت مواقع متضررة وإزالة الحطام والحفاظ على العناصر المعمارية التي يمكن أن تساعد في إعادة تأهيلها مستقبلاً، حفاظاً على الهوية التاريخية والبصرية لمدينة غزة التاريخية.

 

أخبار مماثلة