7 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 19-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة المجلس الدستوري يقضي بما لا يملك دستوريا
المجلس الدستوري يقضي بما لا يملك دستوريا
د. عادل مشموشي
2026-10-19
المجلس الدستوري يقضي بما لا يملك دستوريا

 

يثير قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 12/2026، الصادر في 12 تشرين الأول 2026، بشأن الطعن في قانون العفو العام رقم 70/2026، إشكالية دستورية تتجاوز الخلاف حول الجرائم المشمولة بالعفو وتلك المستثناة منه، لتتناول حدود اختصاص المجلس وطبيعة سلطته في تفسير النصوص التشريعية، والضوابط التي تفصل بين الرقابة على دستورية القوانين والتدخل في تحديد مضمونها، ولا سيما عند اعتماد ما يعرف بالتحفظات التفسيرية الملزمة لتحديد نطاق الأحكام أو تقييد تطبيقها أو توسيعه.

ولا يتوقف تقييم القرار على وجاهة النتائج التي انتهى إليها، بل يقتضي أولا التحقق من الأساس القانوني الذي استند إليه المجلس، ومن وقوع الوسائل المعتمدة ضمن حدود اختصاصه الدستوري. فحماية المال العام ومكافحة الفساد ومنع الإفلات من العقاب غاياتٌ مشروعةٌ، لكنها لا تعفي أي سلطةٍ عامةٍ من احترام قواعد الاختصاص. وبالمقابل، فإن احترام صلاحيات المشرع لا يبرر تجاهل مخالفةٍ دستوريةٍ ثابتةٍ. وعليه، لا تتمثل المسألة في المفاضلة بين العدالة والفصل بين السلطات، بل في تحديد الوسيلة الدستورية التي تتيح تحقيق العدالة من دون تجاوز الاختصاص.

ويقتضي المنهج القانوني التمييز بين الوقائع التشريعية والإجرائية التي أحاطت بقانون العفو والقرار الصادر بشأنه، وبين الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منها. فقد استند قانون العفو، بحسب ما أعلن بشأنه، إلى اعتباراتٍ تتصل بأوضاع السجون وبطء المحاكمات والأوضاع الإنسانية للموقوفين والمحكوم عليهم، وأثار إشكالياتٍ تتعلق بقاعدة شمول الجرائم ما لم يرد نصٌ صريحٌ باستثنائها، وبنطاق الاستثناءات، ولا سيما في جرائم الفساد والجرائم المالية، فضلا عن شروط الاستفادة من العفو وآثاره.

كما أثير أن الصيغة النهائية للقانون تضمنت حذف حكمٍ كان يستثني جرائم فسادٍ في القطاع العام من نطاق العفو. غير أن البناء على هذه الواقعة يستلزم مقارنة النسخ الرسمية المتعاقبة والتحقق من مضمون التعديل وظروفه، فلا يجوز استخلاص نيات المشرع أو تحديد المسؤولية عن التغيير استنادا إلى معلوماتٍ غير موثقةٍ. فالفصل بين ما تثبته المستندات الرسمية وما يظل في نطاق الادعاء أو الاستنتاج شرطٌ لازمٌ لسلامة أي تقييمٍ قانونيٍ أو سياسيٍ.

ومن الناحية الدستورية، يدخل منح العفو العام، من حيث المبدأ، في نطاق الصلاحيات التشريعية لمجلس النواب، على أن تمارس في إطار الدستور ومبادئه، ولا سيما المساواة أمام القانون والوضوح التشريعي واحترام الحقوق والالتزامات الدولية ذات الصلة. ولا يعني ذلك إخضاع كل خيارٍ تشريعيٍ مثيرٍ للجدل للرقابة الدستورية؛ إذ ينبغي التمييز بين الاعتراض على ملاءمة السياسة التشريعية، وهو يدخل أصلا في نطاق تقدير المشرع، وبين إثبات تعارض حكمٍ معينٍ مع قاعدةٍ دستوريةٍ واجبة التطبيق، بما يبرر تدخل جهة الرقابة ضمن حدود اختصاصها.

وتحدد المادة 19 من الدستور اللبناني اختصاص المجلس الدستوري في مراقبة دستورية القوانين. وتقتضي هذه الوظيفة التحقق من توافق النصوص التشريعية مع الدستور وترتيب النتائج القانونية التي تدخل ضمن السلطة الرقابية للمجلس. ولهذه الغاية، يجوز تفسير النص المطعون فيه، أو إبطال جزءٍ منه متى أمكن فصله عن بقية أحكامه، أو اعتماد تفسيرٍ متوافقٍ مع الدستور إذا احتمل النص أكثر من معنى. غير أن هذه الأدوات لا تمنح المجلس سلطة عامة لإعادة صياغة القانون أو استبدال حكمٍ جديدٍ بالحكم الذي أقره المشرع.


ويكمن معيار الفصل بين التفسير الدستوري المشروع وتجاوز الاختصاص في مدى إمكانية استخلاص المعنى الذي اعتمده المجلس من ألفاظ النص ومصطلحاته، وسياقه التشريعي، والعلاقة بين أحكامه، وقواعد التفسير القانونية، في ضوء المبادئ الدستورية ذات الصلة. فإذا احتمل النص أكثر من معنى، وكان أحدها متوافقا مع الدستور والآخر يؤدي إلى مخالفته، جاز للمجلس استبعاد المعنى غير الدستوري واعتماد المعنى الذي يستقيم معه النص، شرط ألا يتجاوز حدود الاحتمال اللغوي والقانوني.

أما إذا أدى التفسير إلى إضافة فئةٍ جديدةٍ إلى الاستثناءات التي حددها القانون، أو فرض شرطٍ لم يقرره المشرع، أو مد حكمٍ إلى حالاتٍ لا يشملها النص وفقا لقواعد التفسير المعتمدة، فإن المسألة تتجاوز الاختيار بين معانٍ محتملةٍ إلى احتمال إنشاء قاعدةٍ قانونيةٍ جديدةٍ. ويكون هذا التجاوز أوضح إذا تعذر الوصول إلى النتيجة التي اعتمدها المجلس إلا باستبدال معيارٍ تشريعيٍ بآخر، أو بتغيير التوازن الذي أقامه القانون بين الأصل والاستثناء. فالعبرة ليست بتسمية الإجراء «تحفظا تفسيريا»، ولا بكون النتيجة التي يحققها مرغوبة، بل بطبيعة أثره القانوني ومدى استناده إلى النص.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة فحص التحفظ التفسيري المتعلق بجرائم الفساد، والذي أثير أن المجلس اعتبر الاستثناء شاملا للجرائم المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء والاتفاقيات الدولية التي يلتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص. ولا يكفي لتبرير هذا التوجه الاستناد إلى ضرورة مكافحة الفساد، بل ينبغي مقارنة منطوق القرار وتعليله بالنصوص الواردة في قانون العفو. فإذا كانت صياغة القانون تسمح بإدراج تلك الجرائم ضمن الاستثناء، أمكن اعتبار ذلك تفسيرا لنطاق النص. أما إذا كان القانون قد حصر الاستثناء في جرائم محددةٍ، وأضاف التحفظ إليها جرائم لا يمكن استخلاص شمولها من النص، فإن ذلك يثير اعتراضا جديا بشأن تجاوز التفسير إلى تعديل النطاق التشريعي.

ولا يصح اعتبار كل تفسيرٍ موسعٍ تجاوزا دستوريا بصورةٍ آليةٍ، فقد يكون التوسع نتيجة طبيعية لعبارةٍ تشريعيةٍ عامةٍ أو لمقتضيات تفسير النص كوحدةٍ متكاملةٍ. لكن حماية المال العام ومنع الإفلات من العقاب لا يكفيان وحدهما لحسم المسألة. فمشروعية التحفظ تستلزم تحليلا محددا لكل عبارةٍ تشريعيةٍ ولكل نتيجةٍ رتبها المجلس عليها، بدل الاكتفاء بموقفٍ عامٍ مؤيدٍ للتحفظات التفسيرية أو معارضٍ لها.

وينطبق المعيار نفسه على ما أثير بشأن جرائم المخدرات وشروط الاستفادة من العفو. فتقدير عدد المستفيدين وآثار القرار يستلزم الرجوع إلى النصوص المعنية ومنطوقه والملفات التي تنطبق عليها أحكام القانون. كما يتعين التمييز بين الملاحقة الجزائية السابقة والتكرار الجرمي بالمعنى القانوني؛ فالملاحقة، في ذاتها، لا تعني وجود حكمٍ سابقٍ مستوفٍ للشروط التي يرتب القانون عليها آثار التكرار. ومن ثم، يجب أن يستند تفسير شروط الاستفادة والاستثناءات إلى معيارٍ قانونيٍ واضحٍ يطبق على الحالات المتماثلة.

وتتصل هذه المسائل بمبدأ الفصل بين السلطات، إذ يضع مجلس النواب القواعد القانونية ويحدد نطاق العفو واستثناءاته، وتطبق السلطة القضائية القانون على الوقائع المعروضة أمامها، بينما يراقب المجلس الدستوري مدى توافق التشريع مع الدستور. ولا يمنع هذا التوزيع التفاعل بين هذه الوظائف، لكنه يفرض ألا يؤدي التفسير إلى نقل سلطة إنشاء الأحكام من الجهة المختصة بالتشريع إلى الجهة المكلفة بمراقبة دستوريته. كما لا تكفي الاستعانة بالاجتهادات المقارنة لتبرير منهجٍ تفسيريٍ ما لم ينسجم مع الدستور اللبناني وطبيعة اختصاص المجلس.

وإذا تبين أن بعض التحفظات تجاوزت المعنى الذي يحتمله النص، فإن المعالجة ينبغي أن تتجه إلى الوسيلة التشريعية المناسبة. فإذا استلزم الأمر تغيير نطاق العفو أو إضافة جرائم إلى الاستثناءات أو تعديل شروط الاستفادة، تعين اعتماد قانونٍ تعديليٍ يحدد الحكم الجديد صراحة. أما إذا انحصرت الحاجة في توضيح معنى حكمٍ قائمٍ من دون تغيير مضمونه، فيمكن بحث إصدار قانونٍ تفسيريٍ ضمن الحدود الدستورية، من دون استخدام التفسير وسيلة مستترة لإحداث تعديلٍ تشريعيٍ.

وينبغي لأي تدخلٍ تشريعيٍ أن يوضح نطاق جرائم الفساد في القطاعين العام والخاص، وشروط التكرار في جرائم المخدرات، والتاريخ المرجعي للاستفادة من العفو، وآثاره في الحقوق المالية والشخصية والقرارات الإدارية، مع التمييز بين المسؤولية الجزائية والعقوبات التأديبية والالتزامات المدنية والمالية، ومراعاة مبدأ المساواة والضمانات الدستورية والالتزامات الدولية ذات الصلة.

إن نقد القرار رقم 12/2026 ينطلق من الإشكالية التي يطرحها بشأن حدود السلطة التفسيرية للمجلس الدستوري وعلاقتها بالاختصاص التشريعي لمجلس النواب. فمشروعية التفسير لا تتحدد بالغاية المراد تحقيقها، وإنما بمدى التزامه بالنصوص القانونية والحدود الدستورية للاختصاص. ويظل التفسير أداة مشروعة متى كشف عن معنى يحتمله النص واستبعد تأويلا مخالفا للدستور، لكنه يثير إشكالية دستورية جدية إذا أنشأ استثناء أو شرطا لا يمكن استخلاصه من القانون.

وعليه، تقتضي المعالجة دعوة مجلس النواب إلى مراجعة قانون العفو العام رقم 70/2026 في ضوء الإشكاليات التي أظهرها تطبيقه والقرار الصادر بشأنه، وإصدار قانونٍ تفسيريٍ حيث يكون التوضيح كافيا وجائزا دستوريا، أو قانونٍ تعديليٍ حيث يستلزم الأمر تغيير مضمون الأحكام أو نطاقها. فصون الدستور لا يتحقق بتغليب سلطةٍ على أخرى، ولا بتجاهل الغايات المشروعة للعفو، بل باحترام الاختصاصات الدستورية، وصياغة القواعد القانونية بوضوحٍ، وضمان تطبيقها على نحوٍ متساوٍ؛ بما يحفظ استقرار النظام القانوني والثقة بالمؤسسات، ويبقي الدستور مرجعا ملزما لجميع السلطات، لا سندا لتوسيع صلاحيات أيٍ منها خارج الحدود المقررة لها.

أخبار مماثلة