كتبنا سابقاً "ثمة تخلٍّ عن لبنان". اليوم، ثمة إصرار على التخلّي وإمعان في تغطية ممارسات وسياسات الاحتلال الاسرائيلي من قبل الطرف الرئيسي الدافع لاتفاق الإطار الثلاثي، والراعي المفترض نظرياً لتطبيقه. لبنان في حال من الضياع والفوضى والقلق. النتيجة متوقعة. معروفة، نظراً للتجارب الكثيرة مع الولايات المتحدة، التي تبرّر ابتعادها عن اتخاذ أي خطوة او القيام بأي ضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها لأن "ثمة انتخابات ولا يمكننا الضغط على مسؤوليها كي لا يقال إننا نتدخل في هذه العملية"! كما يقول المسؤولون الأميركيون. يضاف إلى ذلك ما يجري اليوم في الخليج والشعور العام لدى عدد من دوله بأن أميركا تخلّت عنها أيضاً! رغم كل الرهانات عليها، والعلاقات التاريخية معها، والأموال التي قدمت لها والاستثمارات الخيالية فيها. وما يجري يحتل موقع الأولوية بطبيعة الحال نظراً لمخاطره وبالتالي يبعد لبنان عن قصد أو غير قصد بالنسبة لكثيرين عن دائرة الاهتمام مما يتيح لإسرائيل الاستمرار في حربها وتنفيذ عمليات التفجير والتدمير والتجريف وإزالة معالم قرى بأكملها، في ظل نقاش متصاعد حول مصير قوات اليونيفيل وما البديل الذي يمكن التوصل إلى تفاهم حوله وتأكيد الخارجية الأميركية منذ أيام: "لا ندعم التجديد لقوات حفظ السلام في الجنوب اللبناني". قبل الوصول إلى اتفاق الإطار كان ثمة لجنة سُميت "الميكانيزم" لمراقبة ومتابعة الوضع وأعطيت اهتماماً إعلامياً كبيراً. لبنان التزم. الجيش تعاون. اللجنة أشادت بإنجازاته. لكن إسرائيل عرقلت كل شيء. بعد اتفاق الإطار، تمّ التأكيد على تفعيل دورها ورفع مستوى التمثيل فيها، والتزم الجيش اللبناني أيضاً لكن إسرائيل قصفت مواقع الجيش. سقط شهداء وجرحى. وزادت وتيرة أعمالها العدوانية وتعطّل كل شيء. واليوم تتكثف الضغوط لعدم الوصول إلى أي اتفاق تحت راية الأمم المتحدة واستناداً إلى اتفاق الإطار للوصول إلى صيغة قانونية تمنع بقاء الساحة اللبنانية مستباحة من قبل إسرائيل دون حسيب أو رقيب بما يؤكد الرغبة في عدم تطبيق اتفاق الإطار والالتزام بأي أمر يضع حداً للعدوان المفتوح.
وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش قال بوضوح: "... ما فعلناه في جنوب لبنان لا مثيل له وسيؤثر لعشرات السنين على أمن السكان هناك. لن يجدوا مكاناً يعودون إليه والعالم لن يوقفنا عن ذلك". النية معروفة. الأهداف معروفة واضحة لكن الأهم في كلامه: "العالم لن يوقفنا عن ذلك".
وزير الدفاع كاتس يهدّد يومياً ورئيس الحكومة نتانياهو يقول: "ثمة مؤشرات على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا مع اقتراب الانتخابات". في تلميح واضح لإيران. علماً أنه كان قد قال سابقاً: "إيران لا تهاجمنا والسبب واضح، ردّنا سيكون قوياً وقد جرّبوه سابقاً". محاكمة نيّات. ثم كلام: "لن نتدخل في حرب قبل الانتخابات". لكن ماذا بعدها؟ ومن يضمن حصول شيء قبلها وسموتريتش كرّر موقفه: "... نريد الوصول إلى نهر الليطاني"؟ ثمة إصرار على خيار واحد: الحرب. ماذا يفعل لبنان؟ وماذا يجري اليوم؟
لقد أعطينا إسرائيل في اتفاق الإطار كل شيء. وكرّر أكثر من مسؤول إسرائيلي القول: "لقد حصلنا على أكثر مما كنا نتوقع". وها هم يفعلون ما يفعلون ويعلنون إصرارهم على استكمال مشروعهم. تركنا اتفاق الهدنة الذي يؤكد حدود لبنان. وإسرائيل دولة بلا حدود. ولم تذكر كلمة الانسحاب. وطارت معها القرارات الدولية. والأهم أيضاً أننا تنازلنا عن حق مقاضاتها إذا اعتدت، وها هي تعتدي أكثر وأكثر. تدمّر المؤسسات الرسمية ومنازل المواطنين وتجرف حقولهم، وتقتلع أشجار الزيتون في موسم قطافه، وتقتل المدنيين ولا أحد يقاضيها، في وقت حصل من أصدر قراراً بإدانة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة على جائزة نوبل للسلام. نحن أقفلنا الأبواب أمامنا ولم نقم حسابات لاحتمالات ما يمكن أن ترتكبه إسرائيل. اليوم رئيس الحكومة يتحدث بلغة مختلفة بعد أن رفع الصوت الزعيم الوطني وليد جنبلاط، ورئيس الجمهورية كرّر مواقفه لناحية تحميل إسرائيل مسؤولية عدم الالتزام بأي كلمة في اتفاق الإطار رغم تجاوب لبنان والتزام الجيش بالقيام بواجبه وتنفيذ قرارات الدولة بحصر السلاح وتأكيد قيادته في الوقت ذاته بأن ما يعيق إنجاز المهمات المطلوبة هو استمرار الاحتلال والعدوان الإسرائيلي وعدم توفير الإمكانات المطلوبة له.
وصلنا إلى هنا، مطلوب حدّ أدنى من التوافق على موقف وطني على قاعدة ما يعلنه الرؤساء عون وبري وسلام، لناحية تأكيد الثوابت وحماية الجيش والقوى الأمنية والدولة ومؤسساتها وضرورة الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي وإعادة الإعمار وإطلاق سراح الأسرى.
للأسف ثمة من لا يزال مصرّاً على اتهام قيادة الجيش بالتقصير والقول "إن الحكم عليها هو حسب أدائها. وعليها تنفيذ قرار الدولة وممارسة دورها وهي قادرة إذا أرادت". ووصل بعضهم إلى التلويح بعقوبات، والقيادة على موقفها الثابت: "نلتزم قرار القيادة السياسية. لا مجال للصدام بين الجيش والأهالي. وما دام هناك احتلال كيف يمكن مطالبة الجيش بخطوة من هذا النوع"؟ وإذا كان الأميركي يقول: "لا يمكن الوصول إلى نتائج على أبواب الانتخابات الإسرائيلية"، فماذا يعني الضغط على الجيش وإطلاق ويد إسرائيل لتفعل ما تشاء في الجنوب مستقوية بأن العالم لن يمنعها؟ والغريب المريب اللافت، هو أن حاجزاً لقوى الأمن الداخلي أوقف مركبة محملة بالمتفجرات على طريق ضهر البيدر عائدة لحزب الله. عناصر الحاجز نفذوا بدقة قرار مجلس الوزراء، رفع الحزب صوته محاولاً استعادة الشحنات المصادرة. الأجهزة المختصة رفضت والتحقيق جار في القضاء. زايدت قيامة الأطراف الضاغطة على الجيش وعلى الدولة وطالبت بضرورة "الضرب بيد من حديد" ومواجهة الحزب، ووجهت انتقادات لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بعد أن كانت قيادة هذه الأطراف تكيل المدائح لهما على القرارات الجريئة التي اتخذت والمواقف التي تعلن! الغريب أن أحداً من هؤلاء لم يقل على الأقل أن الدولة قامت بواجبها! لم يوجّه التحية إلى الجيش على ما يقوم به على كل الأراضي اللبنانية، وإلى قوى الأمن الداخلي. هذه الأطراف باتت أسيرة شعارات ومواقف. إذا قامت الدولة بأمر أو خطوة في إطار تطبيق قراراتها يستمر "الأسرى" في اتهاماتهم للقوى الأمنية ولا يعطونها حقها على الأقل ويطالبونها بالاستمرار. يستبقون التحقيقات ويطلقون الأحكام ويحدّدون الأهداف ويحاكمون النيّات. ومن لا يعجبه ذلك فهو مقصّر أو متواطئ. وهم السياديون الأقوياء الأشداء الحرصاء في وقت يبرّرون للاحتلال أفعاله وبعضهم يدعوه بطريقة أو بأخرى للاستمرار في عدوانه حتى يتم نزع السلاح! هذا مزيج من سوء الإدارة والعبثية دفع لبنان ثمنه غالياً.
وفي الحديث على هذا النوع من السياديين، دار نقاش في البلد حول اتصال سفيرة لبنان في واشنطن "بنظيرها" الإسرائيلي للسؤال عن ابنه الذي أصيب في فلسطين في عملية دهس. يقولون، لماذا يحال الأمر إلى القضاء؟ هي تلتقي به دائماً. لا مشكلة في الاتصال. طرف آخر يدين. بغض النظر عن السجال وهو أمر طبيعي في لبنان لكن هل تتكرّس السيادة بأن تبادر دولة إلى تخيير لبنان بين أن يتخذ إجراءات فورية لإسقاط قرار مقاطعة إسرائيل ورفض أي اتصال معها أو تتخذ إجراءات بحقه؟ ألهذه الدرجة وصلنا؟
مسألة أخرى أثيرت: المال الذي يوزعه حزب الله. مرة جديدة. الحكومة اتخذت قرارات ينبغي تنفيذها ولكن كيف؟ قيل بأن كل المنافذ والوسائل التي تتيح للحزب الحصول على تمويل توقفت والمرافق الأساسية باتت مضبوطة. من أين المال؟ منعوا وصول مال. ثم اعترفوا، والأهم: ماذا قدّم المصدومون بهذه الخطوة للدولة؟ وكيف تصرف بعض مسؤولي الدولة لفترة طويلة؟ السياسة التي اعتمدت: هجوم على الطائفة الشيعية كطائفة! ولطالما نبهنا إلى خطورة هذا الأمر، وإطلاق صفات ونعوت غير مقبولة على الإطلاق، ورهانات في الوقت ذاته على ابتعاد أبنائها عن حزب الله والنتيجة الموضوعية الواقعية مناقضة تماماً لهذا الرهان وأوهام أصحابه. إضافة إلى ما تتركه اللغة المعتمدة من جراح عميقة تهدّد الوحدة الوطنية في البلاد. في هذا الوقت خرج أحد دعاة الفدرالية في لبنان ليقول: "جوهر المشكلة ليس سلاح حزب الله إنما النظام السياسي. النظام المركزي في دولة متعددة. في مثل هذا الواقع إذا هيمن مكوّن معين على كل شيء في دولة مركزية ونظام تعددي تنهار الأمور"! يعني لا بديل إلا الفدرالية. هل يتذكر هؤلاء وفق هذا المنطق النظام القديم الذي كان فيه هذا النوع من الهيمنة ورفض أربابه كل محاولات الإصلاح والشراكة في البلد؟ وهل يقرّون بهذا الخطأ؟ وإذا كان الأمر كذلك ليس بالضرورة أن يكون البديل تقسيماً أو فدرالية لاسيما في ظل الإصرار على التمسك بالطائف ولو بكلام علني، ولو إعلامي، إنما يكون نقاش هادئ علمي موضوعي بعيد كل البعد عما يجري اليوم في مقاربة القضايا الحساسة من سلاح وقرار حصره بيد الدولة وبسط سلطتها على كل الأراضي وشاحنة سلاح وتدخلات من هنا وهناك ولغة الكراهية والتخوين والاتهام تكاد تكون المهيمنة على عقول وألسنة وتوجهات وأداء كثيرين في البلد. لهؤلاء: نقطة الانطلاق حول الحلول الكفيلة بإنقاذ ما تبقى: تذكروا بوسطة عين الرمانة، غادروا شاحنة الحقد ولعبة الأمم، اقرأوا جيداً مشروع إسرائيل الذي يستهدف كل لبنان بوحدة أرضه ومؤسساته وشعبه وحدوده ومصيره وقادتها لا يخفون ذلك! اركبوا قطار العقل!