مِن الطبيعي أن تطلب المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج مِن مصر مؤازرتها في حال أصابت هذه الدول مكاره صاروخية ومسيَّراتية كما هي الحال في هذه الدول منذ بدأت المواجهة مع إيران سياسياً ومع اليمن الحوثي إحتراباً. ولقد تزايدت الموجات الصاروخية والمسيَّراتية إلى درجة أنها ألحقت كثير الأذى في مطارات وشركات نفطية.
ويُفترض مِن الحُكْم المصري القيام بالتلبية التي هي إذا جاز القول تأتي بمثابة الرد على المساندة بمثلها كما الرد على الجمائل بجمائل على نحو ما هي عليه قواعد التراث العربي – الإسلامي. ففي موضوع المساعدات العسكرية مِن السعودية مِلكاً بعد ملوك أشقاء له كانت المملكة تؤدي المساندة ومِن منطلق أن ما يصيب مصر مِن أذى إسرائيل يصيبها كما يشمل الإيذاء دول الأمة مِن الخليج إلى المحيط. ولنا على سبيل المثال تلك الوقفة النوعية مِن جانب الملك (الراحل) فيصل بن عبدالعزيز في القمة العربية الإستثنائية التي استضافها سودان إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب وسائر طاقم الحُكم الذي صان السودان من الذي أصابه لاحقاً وما زال على أيدي الجنراليْن البرهان وحميدتي وبحيث أنهما نزعا مِن كتاب تاريخ السودان صفحاته التي كانت ملأى بالمواقف الوطنية والحرص على السودان الأرض والشعب والتعددية الحزبية التي زادت مِن رونق تجربته في إنتهاج الديمقراطية سبيلاً للحُكم.
وفي تلك القمة التي نشير مِن باب التذكير إليها أن الملك فيصل بن عبدالعزيز متشاوراً ومنسِّقاً مع أمير الكويت والملك إدريس السنوسي (ثلاث قامات وطنية وعروبية تفتقدها الأزمات المتلاحقة في الأمة) قرروا اعتماد الإقتراح الفيصلي مساندة مصر عبدالناصر المشارِك في القمة سنوياً كل ثلاثة أشهر وإلى حين إزالة آثار العدوان بالمبالغ الآتية بالجنيه الإسترليني: 50 مليون جنيه السعودية. الكويت 55 مليوناً. المملكة الليبية 30 مليوناً.
وعلى مدى سنوات رئاسات لاحقة (أنور السادات. حسني مبارك. عبدالفتاح السيسي) كانت السعودية ودول الخليج حريصة على مصر واستقرارها. ثم دخلت مشاريع الإستثمار السعودية والكويتية والإماراتية عنصراً جديداً في موضوع وجوب مؤازرة الدول الثلاث في حال كانت المؤازرة تشكِّل عنصر استقرار وأمان لها، بمعنى لا تعود، وبالذات بالنسبة إلى السعودية، الصواريخ والمسيَّرات الحوثية تستهدف مطارات المملكة وشركات النفط استكمالاً لجولات مماثِلة مِن جانب إيران.
وحيث أن الأمر كثير الأهمية وتتطلب المساندة التنفيذ، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قام بزيارة لبضع ساعات إلى القاهرة لإحاطة الرئيس السيسي بما هو المطلوب والذي مهّد للتجاوب بإعلانه الإنضمام إلى «اتفاق مكة» الذي كان تم الإعلان عنه مِن جانب المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا.
ما يُراد قوله أن الطلب السعودي مِن مصر للمساندة جاء الرد عليه متمهلاً في البداية وعلى أساس أن يوافق مجلس النواب، الذي صوّت لاحقاً ثلثا أعضائه لمصلحة مساندة مصر دفاعياً وليس مشاركة في الإحتراب. وأما أن ثلث أعضاء البرلمان آثروا عدم التجاوب مع الذي أراده الرئيس السيسي، فهذا يتصل بأن الرئيس السادات عندما أنهى من خلال زيارته إسرائيل ثم اتفاق كامب ديفيد أرسى ما يجوز اعتباره نهجاً لعهده ولعهود الذين سيتسلمون مقاليد الرئاسة والحكومة والبرلمان مِن بعده بحيث لا تدْخل مصر في منازعات وحروب وينصرف أُولو الأمر الحكومي فيها إلى ترميم حقبة غلبت فيها الخيارات الثورية والحروب على التنمية التي لا بد من وضْعها في خانة الأولويات، وبالذات لأن المحروسة مصر تسير في اتجاه أن تصبح ذات المئة وخمسين مليون نسمة.
لكن على نحو المألوف كان هنالك تخريجات وفْق قاعدة أن خير البلاد والعباد بالتآزر وفي أوقات الشدائد، وعلى هذا الأساس فإن مصر الرئيس والحكومة والبرلمان لن تكون في أي حال إلاّ السند للمملكة ولدول الخليج. وباستحضار حالات مضت ما يؤكد ذلك.
لكن يبقى الأمر المهم وهو أن لا يذهب الرئيس ترمب بعيداً في تعظيم شخصه ويضع الجميع دون استثناء لا يؤازر بعضهم البعض.
... والله الهادي والمعين.