17 جمادى الأولى 1448

الموافق

الخميس 29-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "تجارة مع الله"!
"تجارة مع الله"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-29
"تجارة مع الله"!

يُحكى أنّ أعرابيًّا اشتهر بالكرم، يُدعى جوادًا، كان يجود على الفقراء والمحتاجين ممّا رزقه الله، حتى لو كان ذلك على حساب نفسه وأهله.

وذات يوم، قالت له زوجته: «لم يبقَ لدينا من الطعام والشراب ما نتقوّى به، ونستعين به على طاعة الله، أنا وأولادنا. خذ هذا السوار الذي لم يبقَ لي سواه، وبِعْه، وائتِنا بما نقتات به».

مضى جواد إلى السوق، فباع السوار بستة دنانير. وفي طريق عودته إلى داره، استوقفه أحد الفقراء وقال له:

«أعطني ممّا أعطاك الله».

فأعطاه دينارين، ولم يبقَ معه سوى أربعة دنانير. وما إن سار قليلًا حتى صادفه محتاج آخر، فقال له:

«أعطني ممّا أعطاك الله».

فأعطاه دينارين، ولم يبقَ معه سوى دينارين. ثم لم يمضِ وقت طويل حتى لقي مسكينًا ثالثًا، فقال له:

«أعطني ممّا أعطاك الله».

فلم يتردّد جواد في إعطائه الدينارين الأخيرين، ولم يُبقِ لنفسه شيئًا يشتري به طعامًا لأهله.

وبينما كان يهمّ بمواصلة طريقه إلى البيت خالي الوفاض، إذا برجل يمتطي ناقة حمراء يقترب منه، فيسلّم عليه ويقول:

«أَتَشتري منّي هذه الناقة يا جواد؟»

فأجابه جواد: «ليس معي ما أدفعه ثمنًا لها».

فقال الرجل: «أبيعك إيّاها بمئة دينار، وأمهلك في سداد ثمنها إلى الغد».

وافق جواد، وساق الناقة باتجاه منزله. وقبيل وصوله، رآه رجل آخر يصطحب الناقة، فسلّم عليه وقال:

«هل تبيعني هذه الناقة الحمراء؟ وكم تريد ثمنًا لها؟»

فأجابه جواد: «لقد اشتريتها بمئة دينار، فبكم تشتريها؟»

فقال الرجل: «أشتريها منك بمئة وستين دينارًا».

رضي جواد بالبيع، وتمّت الصفقة، وقبض الثمن. فما كان منه إلا أن توجّه من فوره إلى الرجل الذي باعه الناقة، فسدّد له المئة دينار كاملة، ثم عرّج على السوق، فاشترى حاجات أهله، وعاد إلى داره.

ولمّا وصل إلى البيت، أخبر زوجته بما جرى معه، فقالت له متعجّبةً ومسرورةً:

«أرأيت يا زوجي كيف ربحت تجارتك مع الله؟ لقد تصدّقت بستة دنانير، فرزقك الله ستين دينارًا ربحًا، وكأنّ الحسنة بعشر أمثالها!».

وهنا تتجلّى عظمة الإيمان بحقيقة الوعد الإلهي، وأنّ أبواب الرزق قد تُفتح للإنسان من حيث لا يحتسب، وأنّ ما يُقدّمه المرء ابتغاء مرضاة الله لا يضيع عنده.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

[سورة البقرة، الآية 245]

ويقول سبحانه وتعالى:

﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.

[سورة الحديد، الآية 11]

سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، الذي تفضّل على عباده بالخير العميم، وفتح لهم أبواب الرحمة والفضل الكريم. فإن كنت كريمًا، فإنّ الله أكرم الأكرمين، وإن كنت رحيمًا، فإنّ الله أرحم الراحمين، وإن صنعت الخير ابتغاء مرضاته، فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين، ويضاعف لمن يشاء من فضله، ويجزي عباده بما هو أهل له من الكرم والإحسان.

ولعلّ أعظم ما نتعلّمه من هذه الحكاية أنّ العطاء ليس نقصانًا في حقيقة الأمر، وأنّ اليد التي تمتدّ بالخير لا تخسر ما دامت ترجو ثواب الله. فليس كلّ ربح يُقاس بما يدخل الجيب، ولا كلّ خسارة تُقاس بما يخرج منه؛ إذ قد يُنقص العطاء مالًا، لكنه يزيد القلب غنى، ويُحيي في النفس معنى الرحمة، ويزرع في المجتمع بذور التكافل والمودّة. ومن أحسن الظنّ بربّه، وأخلص له في عطائه، أدرك أنّ خزائن الله أوسع من حسابات البشر، وأنّ أجمل التجارة ما كان رأس مالها الإخلاص، وربحها رضا الله.

جنوبيات
أخبار مماثلة