25 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 06-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

طاقة الحروف
د. قصي الحسين
2026-11-06
طاقة الحروف

الحرف هو رأس الجبل، والحروف هي رؤوس الجبال. وطاقتها، هي نافذتها وقوتها معا، لأن القوة تحتاج إلى نفاذ، وإلّا فقدت غايتها. والحروف أيضا، هي الرسوم التي يتركها السيل خلفه على البيداء: من صخور وحجارة ونوابت بارزة. ووجه الشبه بينها وبين حروف الكتابة، هي أنها تمثل نقشا غير معهود على المسطحات، تخفي في بواطنها أقوى العلامات. والحرف في السهل وفي الجبل، هو أعلى الرواسي، وتحته الطاقة العظمى: طاقة البراكين وطاقة البحار والمحيطات. ووجه الشبه مع حروف الكتابة والأبجدية الغافلة، هي تلك الإستعارة وتلك التورية، لما تخبئه الكتابة في أثلامها من الولادات الواعدة، غير المنتظرة، وغير المتوقعة.

«في البدء كانت الكلمة»، ليس سهلا علينا، أن نمرّ بها، دون أن نتوقف عند معانيها ودون أن نسبر أغوارها. بهذا المعنى، اعتبرت الكلمة أصلا للحياة وللوجود، وحدّد بها سبق الوجود. فلا شيء كان قبل الكلمة، لأنها شكّلت البداية للسمع وللعين، وكانت يقظة الأذن والعين وبينهما القلب، عليها.

حقا، بدأت القداسات كلها بالكلمة، حتى أقسم بها. ونَمتْ حروفها سطورا في حقول الكتابات المقدّسة، وبين دفات الكتب المقدّسة، وأول أمر قداسوي كان بها، وأول قسم أيضا. وبدت سطور الكتابة، عائلة مقدّسة، ينظر إليها بخشية وخشوع وورع ومهابة، لما تحتها من طاقة نافذة.


للحروف إذن طاقتها التي يصعب علينا تقديرها، تماما كما طاقة الأرض، لا نعرف حتى اليوم، أبعد منها طاقة. دخلت الحروف، بما هي من الرواسي والجبال، في معادلة مع طاقة الأرض العظيمة، لأنها أخذت منها عظمتها، وصارت أشدّ تعبيرا عنها، فلا نعرف من هو أشدّ تعبيرا عن الأرض، من رواسيها، ومن وجهها الذي إنبسط مثل خد، تنام تحته الكنوز، وآخرها كنوز المعرفة.

طاقة الحروف، إنما هي أعظم طاقة على الأرض، عائلة مقدّسة سيدة حاكمة، أنّى وأينما كانت وحلّت. وهي وحدها التي حكمت البشرية كلها. فدانت لها الرقاب، ودخلت في حوار معها. هو أشبه بحوار الحضارات، وبحوار الثقافات، وبحوار العادات وبحوار التقاليد، وبحوار الأديان حتما. طاقة الحروف على الحوار لا تصدق، هي لسان جميع الشعوب في اجتماعاتها وفي مجتمعاتها. حتى الصم والبكم تنطق بها مثل الصخور الناطقة، ومثل الرواسي المتجاورة، ومثل حروف الجبال المتحاورة.

عائلات الحروف، مثل عائلات الجبال والوهاد والبقاع والبلاقع والمهاوي والوديان، بل مثل عائلات المستنقعات والقنوات والأنهر والبحيرات والبحار والمحيطات والقطب الجامدة، بما هي تحمل فوقها، وبما هي تخبئ تحتها. تفوقها جميعا، بفضل الأسبقية. هي الكلمة التي سبقت واحتفظت بسر حضورها علينا. فنحن لا نعلم من كان أسبق، الأرض أم الكلمة، الكون بل الأكوان، أم الكلمة.

جميع النزاعات على الأرض، تنتهي بكلمة، فإن لم تستطع حسم المسألة، استدعت الكلمة عائلتها، وقالت كلمتها، تدخل في حوار، وتخيط لنا لبوسنا، ولا تدعنا نخرج من القاعة، إلّا بعد أن يأخذ كل منا قطعة مسحورة من نسيجها، توزع علينا شهادتنا، وتمنح قاماتنا الأوسمة، وتخيّرنا بين القبول أو الرفض، وتدع لنا هامشا عظيما مثل لجة البحر المحيط، للمناقشة.

العدالة في محفل الكلمة، ثوب شفيف، يصفنا. تجعله يناسب صفاتنا. فجميع ما ننطق، وما نكتم، هو على مقاسنا. فلا تعطي، إلّا بمقدار ما نستطيع أن نحمل. تجعل كل منا أسرة من حروف. فهلا تلمسنا أنفسنا ذات يوم، وفاجأتنا حروفنا فينا.

طاقة الحروف لا تحبس، تهمد مثل البراكين فينا، ثم سرعان ما تثور في وجهنا، ونحن منها، إلّا من حممها. نحتاج كل مرة، أن نجمّل أنفسنا بكسوتها، فكساؤنا من حروف ولا نعلم. فكم مرة سقطنا من شاهق حرف، وكم مرة علونا نحوه، إلى القمة.

طاقة الحروف لا تقدّر، ولم نستطع بعد سبرها. نصنع منها تماثيل لها، نحاذيها، نحاكيها، نناجيها.. وهيهات هيهات، أن نكون على مقدار يوم واحد منها، أو خطوة حتى... فللحروف فضل الأسبقية علينا، ولنا خزي التقصير أو التقاعس عن سبر أغوارها. فجميع شعوب العالم، في سباق الحروف، ومن ظفر بطاقتها، له منها قصب السبق.

أستاذ في الجامعة اللبنانية

جريدة اللواء
أخبار مماثلة