27 جمادى الأولى 1448

الموافق

الأحد 08-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حائك الظلال"!
"حائك الظلال"!
القاضي م جمال الحلو
2026-11-08
"حائك الظلال"!

في مدينة تُدعى «أثيرة»، لم يكن البشر يُعرَفون بملامح وجوههم أو بنبرات أصواتهم، بل بما تتركه ظلالهم خلفهم على الأرض؛ فكل إنسان يولد وفي عنقه خيط خفي يمتد حتى يتصل بظلّه. ولم يكن الظل انعكاساً جامداً لجسده، بل لوحة حيّة تتشكّل من أسراره وتأملاته ونواياه الدفينة.

كان «ريان» حائك ظلال بارعاً. ولم تكن مهنته يسيرة؛ إذ كان يقصد دكانه الصغير كل صباح أناسٌ تمزّقت ظلالهم بفعل قسوة الأيام، أو تآكلت أطرافها جراء الأكاذيب والخيانات الصغيرة. كان يأتيه التاجر المغرور وظلّه ينكمش حتى يكاد يتلاشى تحت قدميه، والمحزون الذي يتمدّد ظلّه على الجدران كطيور جريحة أضناها عناء الهجرة. وبخيوط تُغزل من الصدق، وإبر تُصاغ من الأمل، كان ريان يعيد إلى الظلال تماسكها، فتستعيد معها أرواح أصحابها شيئاً من اتزانها.

وفي ذات خريف، أقبلت على دكانه امرأة غريبة الأطوار. لم تكن في وجهها ملامح لافتة، غير أن عينيها كانتا تشبهان أفق البحر قبيل العاصفة. تقدّمت بخطى مترددة، وما إن وطئت عتبة الدكان حتى خيّم عليه صمت غريب؛ خفت ضوء الفوانيس قليلاً، وكأن قوة خفية امتصّت شيئاً من نور المكان.

سألها ريان بصوته الهادئ:

«أهلاً بكِ، يا سيدة الظلال التائهة. أيُّ جرح أصاب ظلّكِ حتى قادكِ إلى دكاني؟»

أزاحت المرأة عباءتها والتفتت إلى الوراء. عندها اتّسعت عينا ريان، وارتجفت الإبرة بين أصابعه؛ فلم يكن للمرأة ظلّ على الإطلاق! ولم يكن موضعه فراغاً عادياً، بل بقعة من النور الصافي، كأن الشمس قد استقرّت بكامل ضيائها في كيانها.

قالت بصوت يشبه حفيف الشجر في مطلع الربيع:

«أنا لست تائهة يا ريان، بل باحثة عن الأصل. لقد عشت عمري كله لا أخفي سرّاً ولا أضمر شرّاً، حتى غدا قلبي نقياً إلى درجة عجز معها النور عن أن يولّد عتمة. فهل يستطيع حائك عظيم مثلك أن ينسج لي ظلّاً؟»

وقف ريان مذهولاً. لقد أمضى دهراً كاملاً في إصلاح العيوب ومداواة الندوب، مستعيناً بالعتمة المألوفة؛ فكيف له أن يخلق ظلّاً لمن لا عتمة في داخلها؟

شعر، للوهلة الأولى، بالعجز، لكنه سرعان ما استعاد فلسفة مهنته: فالظل الحقيقي ليس نقصاً في النور، بل دليل على أن النور مرّ من هنا.

تناول ريان خيطاً أبيض دقيقاً، كأنه شعاع من ضوء القمر، وشرع يغزل منه ظلاً مستلهماً ذكريات المرأة الجميلة، ودموعها التي ذرفتها فرحاً لا حزناً، وتنهداتها التي أطلقتها رحمةً بالعابرين. استغرق العمل ساعات طويلة، وكان كلما غرز إبرته في الهواء، هبطت ذرة من الطمأنينة على جدران الدكان.

وحين أتمّ عمله، طلب منها أن تقف تحت ضوء مصباحه الوحيد.

وهناك، امتدّ من قدميها ظلّ عجيب؛ لم يكن أسود ولا قاتماً، بل بدا أشبه بماء نهر ينساب تحت ضوء النجوم. كان ظلاً شفيفاً، نابضاً بالحياة، يروي حكاية إنسانة عبرت حجب العتمة، ولم تتلوّث بغبار الأرض.

ابتسمت المرأة وهي تتأمل ظلّها الجديد، ثم التفتت إلى ريان وقالت:

«شكراً لك... لقد منحتني ظلاً يعيدني إلى الأرض، بعدما خشيت أن أطير إلى السماء، خفيفةً أكثر مما ينبغي».

ومنذ ذلك اليوم، أغلق ريان دكانه الذي اعتاد فيه إصلاح العيوب، وفتح باباً جديداً، علّق عليه لوحة كُتب فيها:

«هنا... ننسج خيوط النور لمن أرهقهم السير بلا ظلال».

جنوبيات
أخبار مماثلة