10 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 24-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية الطوارئ... غطاء لاستمرار عزل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال
الطوارئ... غطاء لاستمرار عزل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال
2026-08-24
الطوارئ... غطاء لاستمرار عزل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال

 

تستغل سلطات الاحتلال الإسرائيلي حالة الطوارئ التي تفرضها غطاءً لعزل الأسرى الفلسطينيين عن العالم الخارجي، عبر استمرار منع زيارات الأهالي والصليب الأحمر، رغم قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بالسماح بها. وبينما تتضاءل مصادر المعلومات داخل السجون، تتفاقم مخاوف الأسرى الفلسطينيين وذويهم من مصير مجهول في ظل التجويع والتعذيب وغياب الرقابة. وكان الطلب الأول للصحافي عبد الله شتات (36 عاماً) ورقة وقلماً، بعد أن تمالك نفسه إثر حالة انهيار أصابته عقب الإفراج عنه عند الحاجز العسكري المقام على أراضي بلدة الظاهرية، جنوبي الخليل، بعد 32 شهراً من الاعتقال في سجون الاحتلال. كان هم شتات الأول، كما يروي لـ"العربي الجديد"، تسجيل أكبر عدد من أسماء الأسرى الفلسطينيين الذين التقى بهم في سجون مجدو، نفحة، ريمون، وتدوين "رؤوس أقلام" لرسائل يجب أن يوصلها لذويهم.

الأسرى الفلسطينيون وذووهم
يشير شتات إلى أنه تلقّى منذ الإفراج عنه في 23 يونيو/ حزيران الماضي أكثر من 400 رسالة واتصال من أهالي أسرى، يسألون عن أبنائهم، وإن كان يملك معلومات عنهم، فيما أحصى أنه حفظ قرابة 300 اسم أسير التقى بهم خلال تنقّله بين السجون الثلاثة، وأبلغ ذويهم بما يملكه من معلومات عنهم. وكان شتات، خلال الأسبوع الأخير قبل الإفراج عنه، يستغلّ وقت الفورة (الخروج إلى الساحة) للحديث مع الأسرى الفلسطينيين من أبواب الأقسام والغرف، سائلاً عن أسمائهم وبعض المعلومات عنهم، وما يريدون إيصاله، ويقضي وقتاً آخر في داخل الغرفة التي يحتجز بداخلها يراجع تلك المعلومات، فهو يشكّل ومثله الأسرى الفلسطينيون الذين سيخرجون من السجن، الطريقة الوحيدة تقريباً لإيصال ما يريد الأسرى إيصاله إلى ذويهم.

حفظ عبد الله شتات قرابة 300 اسم أسير التقى بهم خلال تنقله بين السجون، وأبلغ ذويهم بما يملكه من معلومات عنهم

يوضح شتات أنه في ظل العزل التام تقتصر مصادر المعلومات للأسرى عن العالم الخارجي على ثلاثة مسارات شحيحة، وفي كثير من الأحيان مضللة، عبر زيارة المحامين أو في المحاكم حيث يمثل الأسير عبر تقنية الفيديو، وفي كثير من الأحيان يفصل الاتصال إذا سأل عن أي شيء خارج قضيته. المسار الثاني، وفق شتات، هو استخبارات السجون الإسرائيلية التي تتعمد في كثير من الأحيان نشر شائعات، تشكّل 90% من الأخبار المتداولة في السجون. أما المسار الثالث فيتمحور حول الأسرى الفلسطينيين الجدد، الذين يصلون عادةً إلى الأقسام بعد أسابيع من اعتقالهم، وبالتالي تكون أخبارهم غير حديثة. في كثير من الأحيان تصل معلومات وأخبار خاطئة إلى الأسرى الفلسطينيين، كأخبار عن وفاة ذويهم، ليكتشفوا لاحقاً أنها غير صحيحة، ويقول شتات إن عدداً من المحامين كانوا يوصلون أخباراً عامة إلى الأسرى عن عائلاتهم من دون وجود معلومات حقيقية لديهم، كأن يخبر أسيراً بأن والدته تسلّم عليه، وهي في الحقيقة متوفاة منذ سنوات.

منذ حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، توقف حضور الأسرى في المحاكم جسدياً، وبات المثول أمام المحكمة عبر تقنية الفيديو فقط من خلال شاشة في قاعة المحكمة، وهو ما منع الأهالي من الالتقاء بأبنائهم في قاعات المحاكم. ورغم ذلك تؤكد نسرين أبو غربية؛ والدة الأسير المقدسي فادي أبو غربية، لـ"العربي الجديد"، أن الأهالي لم يتوقفوا عن حضور جلسات المحاكم، كونها الفرصة الوحيدة المتاحة لرؤية أبنائهم، ولو عبر الشاشات. واعتُقل فادي أبو غربية في مارس/ آذار 2023، وكان بوسع والدته زيارته حتى شن الاحتلال حرب الإبادة على غزة، واتخاذه معها سلسلة من الإجراءات العقابية ضد الأسرى الفلسطينيين، ومنها منع الزيارات، فباتت شاشة محكمة عوفر سبيل والدته الوحيد لرؤيته.

تصف نسرين أبو غربية التجربة بأنها أسرٌ ثانٍ لها إلى جانب أسر ابنها، فمن حقها، كما تقول، أن تتحدث مع ابنها، وكل ما يحدث في قاعة المحكمة أنها تسمع صوته في بضع كلمات، لكنه بالمقابل لا يسمع صوتها، ولا تستطيع إخباره بأي شيء ولا يستطيع إخبارها بأي شيء، فيما تقول بحسرة: "ابني لم يسمع صوتي منذ ثلاث سنوات، وأخشى أن يكون قد نسي نبرته". وتراقب نسرين أبو غربية عبر الشاشة جسد ابنها الذي أرهقه الجوع، ترى وجهه مصفراً جراء عدم توفر الغذاء المتوازن والكافي، لكنها تفرح قليلاً وتطمئن حين تراه. والمفارقة أنها باتت تخشى من صدور الحكم عليه. النيابة تطالب بسجنه 12 عاماً، وهي تتمنى ألّا ينتهي مسار المحاكمة سريعاً، خصوصاً أنها علمت من الطاقم القانوني أنه قد يصدر الحكم خلال الجلسات القليلة القادمة، ومعنى ذلك أنها لن تعود لرؤية وجهه أبداً ما دام قرار الاحتلال بمنع الزيارات للأسرى مستمراً.


وتستغل حكومة الاحتلال، وتحديداً المتطرف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسؤول عن السجون؛ حالة الطوارئ المعلنة لتنفيذ أجندته الانتقامية من الحركة الأسيرة، متجاوزاً قراراً صادراً عن محكمة الاحتلال العليا الإسرائيلية بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر باستئناف زياراتها إلى السجون، فهي أيضاً ممنوعة من الزيارة منذ حرب الإبادة. الإجراءات الانتقامية تلك، وعلى رأسها عزل الأسرى عن العالم الخارجي بالوسائل كافة، كانت إدارة السجون قد فرضتها بعد حرب الإبادة مباشرة، بالتوازي مع عمليات القمع والتعذيب إلى حد القتل، والجرائم الطبية، والتجويع، والحرمان من كل مقومات الحياة، لكنها لم تكن وليدة لحظة الحرب، بل كانت مخططات قديمة وحاولت الحكومة الإسرائيلية الحالية فرضها منذ تشكيلها، من خلال بن غفير الذي اعتبر التنكيل بالأسرى أجندته الخاصة.
يرى مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية - حريات، حلمي الأعرج، في حديث مع "العربي الجديد"، أن بن غفير ومعه الحكومة الإسرائيلية الحالية بل والسابقة حاولوا قبل السابع من أكتوبر 2023 فرض عقوبات جماعية على الأسرى، لكن وحدة الحركة الأسيرة والإسناد والوحدة الميدانية خارج السجون مع من هم داخلها، والخشية من تفجّر الأوضاع داخل وخارج السجون أجبرتهم على التراجع. غير أن إعلان حالة الطوارئ وتنامي النزعة الفاشية في أوساط المجتمع الإسرائيلي وداخل الائتلاف الحاكم، وفّرا ما سمّاه الأعرج اللحظة المؤاتية لارتكاب جرائم عجزت الحكومات الإسرائيلية عن تنفيذها سابقاً بحق الأسرى. ويوضح الأعرج أن حالة الطوارئ منحت صلاحيات مطلقة لإدارات السجون للتصرف بعيداً حتى عن اللوائح الداخلية، وغياب أي رقابة، وتحول السجون إلى ساحات لتعذيب ممنهج وتجويع وجرائم طبية، ومن أهم ما أدت إليه العزل الشامل للأسرى عن العالم الخارجي.

ويتفق رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري مع ذلك، قائلاً "إن ما يحدث في السجون لم يعد سلوكاً فردياً لسجانين أو حتى لوزير بعينه"؛ في إشارة إلى بن غفير، معتبراً أن ما يحدث هو سياسة مؤسسة كاملة تدعم أجندة بن غفير لتجريد الأسرى من حقوقهم الإنسانية كافة. ويعيد الزغاري، في حديث مع "العربي الجديد" الأمور إلى فترة عملية نفق الحرية بسجن جلبوع حين هرب ستة أسرى من السجن عام 2021، وتصاعدت وتيرة الانتقام، لكنها بعد حرب الإبادة وصلت إلى مرحلة التغيير الجذري على المستويات كافة، ومنها منع الزيارات كافة، وتجريد الأسرى الفلسطينيين من الملابس والأغطية، والتجويع، مع وضع مأساوي استثنائي لأسرى غزة، الذين تعرضوا للإخفاء القسري وعمليات تعذيب وحشية. ويؤكد الزغاري أن التغير الجذري حصل في عقلية الانتقام في منظومة الاحتلال كاملة، إذ كُرّست حكومة اليمين المتطرف، على اختلاف الجهات السياسية والعسكرية، لقمع الأسرى، ومنها منع زيارات الأهالي والصليب الأحمر، محملاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمجتمع الدولي جزءاً من المسؤولية لعدم خروجها من حالة الصمت.

بن غفير ومنع الزيارات عن الأسرى الفلسطينيين
وعلى الرغم من قرار صادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية، في يونيو/ حزيران الماضي، وبالإجماع بوجوب السماح للصليب الأحمر بزيارة الأسرى الفلسطينيين، إلا أن الحظر على الصليب الأحمر لا يزال سارياً، بل وتبع القرار، وتحديداً في السابع من شهر أغسطس/ آب الحالي، تمديد بن غفير قرار منع زيارات العائلات، مستنداً إلى حالة الطوارئ، التي لا تزال تعد أساساً للإجراءات القمعية، رغم مرور قرابة عشرة أشهر على اتفاق إنهاء الحرب في غزة. وحول تجاوز قرار المحكمة العليا يعلّق الأعرج بالقول: "إن حكومة الاحتلال تتحدّى القانون الدولي برمته، وذهبت بعيداً إلى حد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في الكنيست، فضلاً عن محاولات داخلية لشل دور المحكمة العليا لحسابات داخلية ليس لها علاقة بالفلسطينيين". المحكمة كما يقول الأعرج، ليست نزيهة بل شريكة في الجريمة، وهي تحاول من خلال قرار مثل السماح بالصليب الأحمر بالزيارة تخفيف وطأة العزلة والملاحقة الدولية على الاحتلال، من دون أن يكون هناك تحرك حقيقي لإنقاذ الأسرى.

أمام هذا الواقع لا تملك اللجنة الدولية للصليب الأحمر إجابة واضحة حول مصير زياراتها إلى السجون، إذ يؤكد المتحدث باسم اللجنة في فلسطين محمد حمايل في حديث مع "العربي الجديد"، أن اللجنة تنظر لقرار المحكمة كخطوة إيجابية، مؤكداً استمرار الحوار الثنائي مع السلطات الإسرائيلية لاستئناف الزيارات وتفقّد أحوال المعتقلين والتأكد أن معاملتهم وفق أسس القانون الإنساني الدولي، وإعلام ذويهم بمصيرهم، خصوصاً المفقودين منهم، لكنه يقول أيضاً إنه لا يوجد أي شيء تستطيع اللجنة مشاركته بشكل علني لاستمرار الحوار الثنائي، آملاً أن تكون هناك نتائج.

أخبار مماثلة