10 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 24-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية الأمراض الجلدية تهدد أطفال غزة: 58 ألف إصابة خلال أسابيع
الأمراض الجلدية تهدد أطفال غزة: 58 ألف إصابة خلال أسابيع
2026-08-24
الأمراض الجلدية تهدد أطفال غزة: 58 ألف إصابة خلال أسابيع

لا تبدو الأمراض الجلدية في قطاع غزة مجرد حالات مرضية متفرقة يمكن احتواؤها بالعلاج المعتاد، إذ تشهد أعداد المصابين قفزات متسارعة في ظل ظروف صحية وبيئية بالغة القسوة، تتداخل فيها ندرة المياه، وتكدس مئات الآلاف من النازحين، وانتشار النفايات، وتجمع مياه الصرف الصحي، وانعدام القدرة على توفير أماكن مناسبة لعزل المصابين.

وبين خيام متلاصقة لا تفصل بينها سوى مسافات ضيقة، يعيش الأطفال في بيئة مثقلة بالرطوبة والغبار والحشرات والقوارض، ما يجعل الأمراض الجلدية المعدية تجد طريقها سريعاً من طفل إلى آخر. وتزداد خطورة المشهد مع ارتفاع أعداد الإصابات خلال فترة قصيرة إلى مستويات تثير مخاوف من خروج الأزمة عن نطاق السيطرة، فبعد تسجيل نحو 9300 حالة قبل أسابيع، ارتفع العدد إلى قرابة 58 ألف حالة، في مؤشر على سرعة انتشار الأمراض الجلدية، لا سيما جدري الماء والجرب والتقمل والبراغيث، في أوساط السكان الذين يعيشون ظروفاً استثنائية لا تسمح بتطبيق أبسط إجراءات الوقاية.

وتشكل مخيمات ومراكز النزوح بؤراً مثالية لانتشار العدوى، في ظل غياب المياه الكافية للنظافة الشخصية، وتعذر التخلص المنتظم من النفايات، وانتشار برك الصرف الصحي بالقرب من أماكن إقامة النازحين، ويجد الأطفال، وهم الفئة الأكثر تعرضاً لهذه الأمراض، أنفسهم أمام معادلة قاسية: مرض يحتاج إلى النظافة والعزل والمتابعة الطبية، مقابل بيئة لا توفر لا النظافة ولا المياه ولا المكان الآمن لعزل المصاب عن بقية أفراد الأسرة.

ويصف رئيس جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في قطاع غزة محمد أبو عفش الوضع الصحي بأنه "صعب جداً"، مشيراً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة صيفاً يساعد على انتشار الأمراض الجلدية، إلى جانب الجرب والتقمل والبراغيث، ما خلق حالة صحية "غير طبيعية". ويقول أبو عفش لـ"العربي الجديد" إن تسجيل نحو 58 ألف إصابة خلال فترة، بعد الإعلان قبل أسابيع عن نحو 9300 حالة، يعكس سرعة انتشار الأمراض الجلدية، وقد يعد "وباءً"، مع استمرار انتقال العدوى. ويعزو انتشارها إلى تكدس النفايات ومياه الصرف الصحي ونقص المياه الصالحة للاستخدام، إلى جانب الاكتظاظ في المخيمات ومراكز النزوح، حيث يعيش الأطفال داخل خيام مهترئة ومتلاصقة تفتقر إلى الحياة الصحية، ما يصعّب السيطرة عليها.

ويضيف أن عزل المصابين، سواء في المستشفيات أو المنازل، من وسائل الحد من انتقال العدوى، لكن هذه الوسيلة أصبحت شبه مستحيلة في النزوح الحالي، قائلاً إن "التكدس الشديد أعدم القدرة على عزل الأطفال المصابين"، لعدم وجود مساحات مناسبة للمريض بعيداً عن بقية أفراد الأسرة، مشيراً إلى أن الفيروسات تحتاج إلى وقت حتى يتغلب عليها الجسم، لذلك يتركز العمل الطبي على تخفيف الأعراض، الحكة والألم، عبر المراهم والعلاجات الطبية المتاحة، في ظل محدودية الإمكانات، مؤكداً أن الفرق الطبية تواصل حصر الإصابات وتقديم الخدمات التثقيفية للنازحين، مع التركيز على الأمهات والسيدات باعتبارهن الأكثر احتكاكاً بالأطفال، وتقديم الإرشادات للحد من العدوى.
ويقول إن الأرقام "موثوقة"، إذ تعد المؤسسات الطبية تقارير شهرية عن الحالات وترسلها إلى منظمة الصحة العالمية، مشدداً على أن مواجهة الأمراض الجلدية لا تتم بالأدوية وحدها، بل تتطلب مآوي مناسبة ومياه نظيفة وبيئة صحية ونظاماً لجمع النفايات والتخلص من الصرف الصحي. ويحذر من أن استمرار الظروف الحالية سيبقي الأطفال في "عين العاصفة"، إذ أصبحت الأمراض الجلدية عبئاً إضافياً على نظام صحي مرهق، فيما تعيق البيئة غير النظيفة التغلب عليها وعلى الأمراض المعوية والفيروسات، داعياً الجهات المعنية إلى إدخال المستلزمات الطبية، ومعالجة الأسباب البيئية قبل اتساع دائرة الإصابات.

ولا تتوقف المعاناة عند ظهور الطفح الجلدي أو الحكة أو ارتفاع الحرارة، بل تمتد إلى ألم يومي يعيشه الأطفال وأسرهم في ظل محدودية الأدوية والمراهم والمستلزمات الطبية، كما أن الاكتظاظ يحول دون اتباع الإجراءات الصحية المعتادة لعزل الحالات المعدية.

وتجلس سعاد اربيع، وهي أم الطفل محمد (10 أعوام) المصاب بمرض جلدي، داخل خيمة ضيقة، فيما يحاول صغيرها مقاومة الحكة التي تزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة. تقول لـ"العربي الجديد": "أكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن أوفر له المكان الذي يحتاجه حتى يشفى، الخيمة صغيرة، وأطفالي جميعاً يعيشون فيها، وإذا حاولت إبعاده عنهم فلا يوجد مكان آخر نضعه فيه". وتضيف أن نقص المياه يجعل العناية اليومية بالطفل أكثر صعوبة، بينما تضطر الأسرة إلى التعامل مع المرض بما يتوفر لديها من أدوية ومراهم، وسط خوف دائم من انتقال العدوى إلى بقية الأطفال.

بينما تصف الفلسطينية هدى محمدين معاناة طفلتها سجى (8 أعوام) مع المرض قائلة: "أصبحت أخاف من كل حكة أو طفح يظهر على جلد أحد الأطفال، لأننا نعرف أن العدوى تنتشر بسرعة، نحاول غسل الملابس وتنظيف المكان قدر الإمكان، لكن المياه قليلة والنفايات والصرف الصحي قريبة منا، ولا نملك القدرة على تغيير المكان". وتشير لـ"العربي الجديد" إلى أن أكثر ما يرهقها هو رؤية طفلتها تستيقظ ليلاً بسبب الحكة والألم، بينما لا تستطيع الأسرة دائماً توفير العلاج المناسب، مضيفة أن المرض بالنسبة للأطفال لا ينفصل عن ظروف النزوح التي يعيشونها، "فحتى لو حصلنا على الدواء، كيف سنمنع عودة المرض في المكان نفسه؟".

ومع استمرار الاكتظاظ وتراجع مستويات النظافة ونقص المياه وتراكم النفايات وانتشار الصرف الصحي والحشرات والقوارض، تبدو الأمراض الجلدية في غزة جزءاً من أزمة صحية أوسع تتفاقم يوماً بعد يوم، فالمعالجة المؤقتة للأعراض لا تكفي في ظل بقاء الظروف التي تنتج العدوى وتعيد نشرها، بينما يواصل الأطفال دفع الثمن الأكبر داخل مخيمات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

ويحتاج الواقع الصحي في قطاع غزة إلى تدخل عاجل وشامل لا يقتصر على توفير الأدوية، بل يمتد إلى توفير المياه النظيفة، وتحسين ظروف الإيواء، وإزالة النفايات، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتوفير المستلزمات الطبية والقدرة على عزل الحالات، بما يتيح احتواء انتشار الأمراض قبل أن تتحول القفزات المتسارعة في أعداد الإصابات إلى أزمة صحية أوسع تصعب السيطرة عليها.

 

أخبار مماثلة