12 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 26-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم العلمين واختبار إعادة بناء البيت الفلسطيني...
العلمين واختبار إعادة بناء البيت الفلسطيني...
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-26
العلمين واختبار إعادة بناء البيت الفلسطيني...

تدخل اللقاءات الفلسطينية ـ الفلسطينية الجارية في مدينة العلمين المصرية مرحلة بالغة الأهمية، ليس لأنها تبحث فقط في ترتيبات الانتخابات المقبلة، وإنما لأنها تجري في لحظة فلسطينية استثنائية تتقاطع فيها تحديات الاحتلال والعدوان والاستيطان مع استمرار الانقسام السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ومن هنا، فإن قيمة هذه اللقاءات لا ينبغي أن تُقاس بعدد الاجتماعات أو بما يصدر عنها من تصريحات إيجابية، وإنما بقدرتها على الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة أسبابه، ومن ترتيب التحالفات الانتخابية إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
مصر ومحاولة كسر الجمود
يبدو أن الجهد المصري يتحرك على أكثر من مسار، بهدف تهيئة الحد الأدنى من التوافق الفلسطيني قبل الاستحقاقات الانتخابية. 
وتشمل الاتصالات حركة فتح وتيار الإصلاح الديمقراطي، وفصائل اليسار، إلى جانب محاولات فتح الطريق أمام حوار فلسطيني أوسع يشمل حماس والجهاد الإسلامي وسائر القوى السياسية.
وتدرك القاهرة، بحكم خبرتها وموقعها، أن إجراء انتخابات في بيئة انقسامية من دون تفاهمات سياسية سابقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بأدوات انتخابية، بدلاً من إنهائه.
ولهذا فإن الجهد المصري يستحق الاهتمام والدعم، شريطة أن يبقى القرار في النهاية فلسطينياً، وأن تتحول الرعاية المصرية إلى جسر للحوار لا إلى بديل عن الإرادة الوطنية الفلسطينية.
فتح ودحلان: اختبار يتجاوز الانتخابات
يحمل اللقاء بين وفد حركة فتح وتيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان دلالة خاصة؛ لأن القضية هنا تتجاوز احتمال تشكيل قائمة انتخابية إلى إمكان معالجة انقسام فتحاوي طال أمده.
لكن من المهم عدم تحميل اللقاء أكثر مما يحتمل. فالأجواء الإيجابية لا تعني بالضرورة أن المصالحة قد تحققت، كما أن الحديث عن التوافق لا يعني انتهاء الخلافات.
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على الانتقال من الحوار إلى قرارات سياسية وتنظيمية واضحة، تعيد الاعتبار للمؤسسات، وتسمح باستيعاب التعدد داخل الحركة، وتضع المصلحة الوطنية فوق صراع الأشخاص ومراكز النفوذ.
وفي هذا السياق، فإن احتمال تحالف تيار دحلان مع حماس ـ حتى وإن ظل في إطار الاتصالات والاحتمالات ـ يكشف حجم السيولة التي بدأت تصيب الخريطة السياسية الفلسطينية، ويؤكد أن التحالفات المقبلة قد لا تخضع بالضرورة للانقسامات التقليدية.
الانتخابات: وسيلة لإعادة بناء الشرعية لا لإعادة إنتاج الانقسام ...
هنا تقع المسألة الجوهرية.
فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتجديد الشرعية وإعادة بناء المؤسسات. وإذا تحولت إلى مجرد منافسة على المقاعد والقوائم، من دون اتفاق على قواعد اللعبة السياسية واحترام نتائجها ووحدة المؤسسات، فإنها قد تنتج شرعية انتخابية منقسمة بدلاً من شرعية وطنية جامعة.
السؤال  ليس فقط: من سيتحالف مع من؟
بل السؤال الأهم: أي نظام سياسي فلسطيني نريد أن تنتجه هذه الانتخابات؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لمسار العلمين.
المجلس الوطني ومنظمة التحرير
لا تقل قضية المجلس الوطني أهمية عن الانتخابات التشريعية؛ لأنها تتصل مباشرة بمستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وبكيفية تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وتجديد المجلس الوطني يمكن أن يشكل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للمنظمة بوصفها الإطار الوطني الجامع، إذا اقترن بإصلاح مؤسساتها وتوسيع قاعدة تمثيلها، وليس بمجرد إعادة توزيع المقاعد بين القوى والفصائل.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا المسار هي أن الفلسطينيين في الوطن والشتات شركاء في القرار الوطني، وأن التمثيل لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تنظيمي أو فصائلي.
اليسار والقوى السياسية الأخرى
أما اللقاءات مع الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، وما يتردد عن إمكان توحيد قوى اليسار في قائمة واحدة، فهي تطور يمكن أن يعيد بعض التوازن إلى المشهد السياسي، شريطة أن يتجاوز الحساب الانتخابي إلى صياغة رؤية وطنية وسياسية مشتركة.
كما أن الاتصالات بين حماس وبعض القوى الأخرى، والحديث عن تكتل وطني عريض، تؤكد أن الخريطة الانتخابية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
غير أن تعدد القوائم والتحالفات لا يعني بالضرورة تعدد الخيارات الوطنية؛ بل قد يتحول إلى عامل إضافي للتشرذم إذا لم يستند إلى قواعد سياسية مشتركة وإلى احترام التعدد والنتائج الديمقراطية.
الفرصة والمخاطر ...
توجد اليوم فرصة حقيقية، ربما أكثر من أي وقت مضى، لإعادة فتح ملف المصالحة من مدخل عملي هو الانتخابات وإعادة بناء المؤسسات. 
لكن هذه الفرصة تواجه إرثاً ثقيلاً من انعدام الثقة، والخلاف على شكل النظام السياسي، ومستقبل منظمة التحرير، والعلاقة بين السلطة والمقاومة، فضلاً عن استمرار الاحتلال الذي يسعى إلى تفكيك وحدة الجغرافيا والسياسة الفلسطينية.
ولهذا فإن النجاح يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
فالانتخابات في ظل الاحتلال ليست مجرد إجراء إداري؛ إنها معركة على الشرعية والتمثيل والقدرة على حماية القرار الوطني.
ما المطلوب؟
إن أفضل ما يمكن أن تنتجه لقاءات العلمين هو اتفاق وطني على قواعد واضحة قبل الدخول في المنافسة الانتخابية:
شراكة سياسية كاملة، انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، قبول نتائجها، وحدة المؤسسات، وتجديد مؤسسات منظمة التحرير على قاعدة التمثيل الحقيقي.
كما ينبغي أن يكون واضحاً أن المصالحة ليست اتفاقاً بين قيادات، وإنما عملية إعادة بناء للثقة بين الشعب ومؤسساته وقواه السياسية.
الخلاصة :
لقاءات العلمين مهمة، لكنها لا تزال فرصة وليست إنجازاً مكتمل الأركان. نجاحها سيقاس بقدرتها على فتح مسار فلسطيني جاد لإعادة بناء النظام السياسي، وليس بمجرد إنتاج قوائم انتخابية أو تسويات مؤقتة بين مراكز القوى.
فلسطين اليوم لا تحتاج إلى انتخابات تعيد توزيع الانقسام، ولا إلى تحالفات انتخابية عابرة، وإنما تحتاج إلى انتخابات تعيد بناء الشرعية، ومؤسسات تستوعب التعدد، ومنظمة تحرير تتسع لجميع الفلسطينيين، وقرار وطني موحد في مواجهة الاحتلال ومخططات تصفية القضية الفلسطينية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة ليس: من سيفوز في الانتخابات؟
بل: هل ستنجح الانتخابات في إعادة توحيد الفلسطينيين ومؤسساتهم وقرارهم الوطني؟
إذا نجحت لقاءات العلمين في فتح الطريق نحو هذه الغاية، فإنها ستكون أكثر من لقاءات انتخابية؛ ستكون خطوة في اتجاه إعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية جديدة. 
أما إذا بقيت في حدود إعادة ترتيب القوائم ومراكز النفوذ، فلن تكون سوى جولة جديدة في إدارة الانقسام، لا في إنهائه.

جنوبيات
أخبار مماثلة