19 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 03-09-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم قنينة عطر اسمها الحب
قنينة عطر اسمها الحب
د. مؤيد بدران
2026-09-02
قنينة عطر اسمها الحب

يقول محمود درويش:
«لا شيء يضاهي روعة من نحب، ولو اعتصرت فرنسا بأكملها في قنينة عطر.»

توقفت طويلًا أمام هذه العبارة، ليس لجمال صورتها فقط، بل لأنها تضع يدها على حقيقة نعيشها جميعًا، مهما اختلفت أعمارنا وتجاربنا ومواقعنا في الحياة: أن الإنسان، في نهاية الأمر، يبحث عمّن يراه جميلًا بقلبه، لا بعينيه فقط.

نعيش في زمن أصبح فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للقياس. نقيس النجاح بالأرقام، والثروة بالأرصدة، والمكانة بالمناصب، وحتى حضور الإنسان أصبح يُقاس بعدد المتابعين والإعجابات. لكن شيئًا واحدًا ما زال عصيًا على كل هذه المقاييس: أن تكون عزيزًا على قلب إنسان.

قد تمتلك الكثير، وتسافر إلى أجمل المدن، وتسكن أوسع البيوت، وتحيط نفسك بأفخم الأشياء، ثم تكتشف في لحظة هدوء أنك كنت تحتاج كلمة واحدة من شخص تحبه أكثر من حاجتك إلى كل ذلك.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالمال وحده، ولا بالنجاحات وحدها.
نحن نعيش أيضًا بنظرة تقول لنا دون كلام: أنا سعيد لأنك هنا.

كم من إنسان بسيط أصبح في عيون من يحبه أجمل من الدنيا كلها، وكم من وجه عادي حفظناه أكثر من أجمل الوجوه، فقط لأن وراءه قلبًا أحببناه. وكم من صوت لا يملك شيئًا استثنائيًا، لكنه بالنسبة إلينا أكثر طمأنينة من ألف لحن، لأن صاحبه يعني لنا شيئًا.

وهنا تكمن عبقرية تشبيه الحب بالعطر.

العطر لا يُرى، لكن حضوره يُشعر به. قد تكون القنينة صغيرة جدًا، ومع ذلك تملأ المكان كله. وكذلك الحب الحقيقي؛ ربما لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى كلمات كبيرة، ولا إلى استعراض أمام الناس. قد يكون سؤالًا في الوقت المناسب، يدًا تمتد عندما يتخلى الآخرون، رسالة قصيرة تقول: هل أنت بخير؟، أو شخصًا يبقى عندما يصبح البقاء صعبًا.

لكن الحب الذي يستحق أن نشبهه بالعطر ليس ذلك الذي يُفقد الإنسان نفسه.

فليس الحب أن تركض خلف من لا يراك، ولا أن تتنازل عن كرامتك كي تبقى في حياة أحد، ولا أن تقضي عمرك تحاول إقناع إنسان بقيمتك. الحب الجميل هو الذي يجعلك أكثر سلامًا مع نفسك، لا أكثر خوفًا؛ أكثر قوة، لا أكثر ضعفًا؛ وأكثر يقينًا بمكانتك، لا دائم السؤال عنها.

وأعتقد أن أجمل العلاقات في الحياة ليست تلك التي يقول فيها أحدنا للآخر: «لا أستطيع العيش من دونك»، بل تلك التي تقول: «أستطيع أن أعيش، لكن الحياة معك أجمل.»

فالفرق كبير بين الحب والاحتياج، وبين التعلق والمودة، وبين من يريد امتلاكك ومن يريد أن يراك سعيدًا.

ومع مرور السنوات نكتشف شيئًا آخر: أن قائمة الأشخاص الذين نحتاجهم فعلًا تصبح أقصر. لا نعود نبحث عن كثرة العلاقات، بل عن صدقها. لا يعنينا كم شخصًا يعرف أسماءنا، بل من يعرف صمتنا. ولا كم شخصًا يجلس معنا في أيام الفرح، بل من يبقى قريبًا عندما تصبح الحياة ثقيلة.

في النهاية، قد تنتهي أفخم العطور، وقد تتغير المدن والبيوت والمناصب والوجوه، لكن بعض الناس يتركون في أرواحنا رائحة لا تزول.

لهذا، إن كان في حياتك شخص يحبك بصدق، يحفظ غيابك كما يحترم حضورك، يفرح لفرحك، ويقف إلى جوارك دون حسابات كثيرة، فلا تتعامل معه كأمرٍ معتاد.

فالقلوب الصادقة أصبحت من الأشياء النادرة التي لا تُشترى.

وربما كان درويش محقًا…

فحتى لو اعتصرنا أجمل عطور فرنسا كلها في قنينة واحدة، ستبقى هناك رائحة لا يستطيع أعظم صانع عطور في العالم أن يصنعها:

رائحة إنسان أحببناه… وأحبنا بصدق.

جنوبيات
أخبار مماثلة