2 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 15-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة العام الدراسي... أطفال جنوب لبنان عالقون في مساحة الانتظار
العام الدراسي... أطفال جنوب لبنان عالقون في مساحة الانتظار
فرح منصور
2026-09-15
العام الدراسي... أطفال جنوب لبنان عالقون في مساحة الانتظار

عطّلت الحرب الإسرائيلية على لبنان التعليم في كبرى مدن الجنوب وبلداته. وابتعد أهالٍ عن مرمى الغارات الإسرائيلية المستمرة في هذه المناطق، وهم يواجهون تعقيدات كثيرة في تأمين متطلبات تعليم أبنائهم في أماكن النزوح، في وقت لا تزال فيه مدارس ومراكز تعليمية عدة في صيدا وبيروت وجبل لبنان تستخدم مراكز للإيواء.

يحلّ منتصف سبتمبر/ أيلول محمّلاً بثقله السنوي المعتاد على العائلات اللبنانية، كما أنه أشدّ وطأة وقسوة على أبناء الجنوب المنكوب بالحرب هذا العام. وبينما تحزم العائلات في مناطق مختلفة من البلاد حقائب أبنائها وتستعد لقرع جرس العودة المدرسية اليوم، تواجه مئات العائلات الجنوبية خيارات صعبة جداً. لا بيوت تجمع شملها، ولا مدارس معلومة تحتضن أطفالها، ولا أفق واضحاً لما ستؤول إليه الأيام المقبلة.

يعيش الجنوب اليوم حالة عارمة من الشتات الجغرافي والاجتماعي. فالحرب والتدمير الواسع اللذان طاولا المدارس الرسمية والخاصة والمعاهد الفنية في القرى والبلدات الجنوبية، واحتلال إسرائيل نحو 60 بلدة وقرية بمساحة تبلغ حوالي 600 كيلومتر مربع بحسب المصادر العسكرية، حوّلا الخريطة التعليمية بالكامل إلى أثر بعد عين. ولا تقتصر العقبة أمام الأهالي على العثور على مقعد مدرسي جديد، بل تبدأ بالمعاملات الإدارية البسيطة التي أصبحت معقدة وشبه مستحيلة، إذ أغلقت العديد من المدارس الخاصة والرسمية في النبطية وقرى القضاء أبوابها بالكامل، وتوقف كادرها الإداري عن العمل. ونتيجة لذلك، يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن الوصول إليها للحصول على إفادات مدرسية لنقل أبنائهم والحصول على كشوف علاماتهم، وهي المستندات التي تطلبها المدارس الجديدة لاستكمال معاملات التسجيل.

وتتقاطع هذه الدوامة الإدارية مع حالة التخبط في اتخاذ القرار. يسأل الأهالي أنفسهم: هل يسجّلون أطفالهم في مدرسة جديدة بالمنطقة التي نزحوا إليها، أم ينتظرون سكون المدافع والطائرات؟ وإذا استقرت الأوضاع وقرروا العودة إلى منازلهم التي نزحوا منها كيف يتم التعامل مع المدرسة الجديدة في مكان النزوح المؤقت؟ جعل هذا التشتت النفسي واللوجستي العام الدراسي الجديد بمنزلة كابوس إضافي في مأساة الجنوبيين.

في مجمع الرئيس نبيه بري المهني بمنطقة بئر حسن في بيروت، تتجسّد تفاصيل المعاناة اليومية. يضم المجمع حالياً نحو 200 عائلة نازحة جُمعت في مبنيين من أصل ثلاثة مبانٍ يضمها المجمع. تقيم أم محمد، وهي سيدة نازحة من بلدة الدوير في قضاء النبطية، حالياً في مركز إيواء معهد بئر حسن ويلخّص وضعها صعوبةَ الخيارات المتاحة أمام الفئات الأكثر هشاشة. تقول لـ"العربي الجديد": "تضرر منزلنا في البلدة بشكل كبير جراء القصف، ولم يعد لدينا مكان نلجأ إليه سوى هذا المركز. كان ابني يتابع دراسته في ثانوية بلال فحص في الجنوب، واليوم لم أستطع تسجيله في أي مدرسة في بيروت لأنني عاجزة عن الوصول إلى الجنوب لاستصدار إفادة مدرسية له بسبب الأوضاع الأمنية والمخاطر على الطرقات. نحن هنا محاصرون بين أضرار منزلنا وعدم قدرتنا على تأمين المستقبل الدراسي لأبنائنا".

ولا تختلف قصة عائلة أخرى من آل قانصوه نزحت من الجنوب، وتقيم في المركز نفسه، عن باقي الحكايات المجبولة بمعاناة المنزل المتضرر والنزوح المفاجئ، والأوراق المدرسية المفقودة أو المحتجزة في الإدارات المقفلة، أو تحت ركام المرافق التربوية المهدمة، وأطفال ينظرون إلى أقرانهم وهم يستعدون للعام الدراسي، بينما هم عالقون في مساحة الانتظار. وتنعكس أزمة التعليم على وجوه الأمهات اللواتي يحاولن البحث عن أمل لأبنائهن. تقول رنا غنوي لـ"العربي الجديد"، وهي أم لولدين في المرحلة المتوسطة، كُتب عليهما النزوح القسري: "نزحنا في البداية من بلدة كفررمان (قضاء النبطية) إلى منطقة المية ومية في صيدا. خلال العطلة الصيفية حاولنا العودة إلى النبطية كلما هدأت الأوضاع، وقبل نحو شهر أعدنا أمتعتنا وانتقلنا مجدداً إلى المية ومية، ففي كل مرة نعود فيها يحدث أمر ينغّص علينا الاستقرار ويدفعنا إلى الهرب تحت التهديد".

تضيف: "كان ولداي يتعلمان أساساً في مدرسة الراهبات الأنطونيات، لكن الطريق إلى هناك أصبحت خطرة جداً ومحفوفة باستهدافات الغارات الإسرائيلية المستمرة، خصوصاً لحي المدرسة، وهو آخر حي مأهول قبل حاجز الجيش اللبناني، إضافة إلى التلال المجاورة المحيطة بمنطقة علي الطاهر. كلما تصاعدت الغارات يُقطع الطريق أمامنا. اليوم رحلتُ بولديّ إلى صيدا، وأحاول تسجيلهما في مدرسة جديدة، لكن المشكلة الكبرى أن مدرستهما الأولى في الجنوب مقفلة ولا نستطيع الحصول على إفادة نقل لتسجيلهما". وتتحدث رنا عن التعب النفسي الذي يداهم طفليها، وتقول: "أمضى ولداي سنتين يتعلمان عن بُعد بسبب ظروف الحرب والمخاطر، واليوم أرفض تكرار هذه التجربة لأن التعليم الافتراضي لم يعد ينفع معهما. وهما اليوم غير سعيدين. كل شيء حولهما جديد وغريب، ولا أعرف ماذا سأفعل إذا استقر الوضع لاحقاً، هل أعيدهما أم أتركهما في المدرسة الجديدة؟ إنها حالة تشتت كامل".

وفي قصة مشابهة لقصة رنا، تتحدث سيدة نازحة من مدينة النبطية، فضّلت عدم كشف اسمها، أنها اختارت بعد جولات من التنقل أن تستقر في بلدة برمانا في قضاء المتن (جبل لبنان). وتعيش هذه الأم حالة عارمة من الضياع، وتقول لـ"العربي الجديد": "نزحت مع أطفالي منذ بداية الأحداث، وتنقلت بين أكثر من منطقة حتى وصلنا إلى برمانا. اليوم لا أعرف أين أسجل أولادي. العديد من المدارس الكبرى في النبطية، مثل المدرسة الإنجيلية والراهبات وغيرهما، أغلقت أبوابها. لا أعلم إن كنا سنبقى في برمانا أم سنضطر للنزوح مجدداً إذا طالت الحرب أو تغيرت الظروف. الخوف الأكبر الذي يطاردني ويحرمني النوم هو أن يضيع العام الدراسي بالكامل على أولادي ونحن ننتظر فرجاً لا نراه يلوح في الأفق".

وسط هذا المشهد المعقد، يتطلع القائمون على مراكز الإيواء والأهالي إلى وزارة التربية والتعليم العالي، وينتظرون قرارات حاسمة وواضحة. وتبرز في مجمع بئر حسن، وغيره من مراكز الإيواء، هواجس عدة تتعلق بالمصير اللوجستي والتربوي للنازحين. وهم ينتظرون معرفة ما إذا كانت الوزارة ستتخذ قرار نقل العائلات المقيمة في المجمعات التعليمية والمدارس الرسمية إلى مراكز إيواء بديلة لإعادة فتح المدارس، أم إبقائهم في أماكنهم مع البحث عن صيغ تعليمية مرنة.

كما يطرح النازحون أسئلة حول طبيعة الأنشطة أو المناهج التي ستُقدّم للأطفال مع بداية العام الدراسي، فهل سيُدمجون في المدارس الرسمية المجاورة لمناطق نزوحهم، أم سيُعتمد مجدداً التعليم عن بُعد (أونلاين) رغم أن أهالي كثيرين يرفضونه؟ أم ستكتفي الجهات المعنية في لبنان بتقديم أنشطة دعم نفسي واجتماعي ومبادرات تعليمية غير نظامية في المراحل الأولى؟

أيضاً، لا تنحصر أزمة بدء العام الدراسي في لبنان في تهدّم الجدران وتضرر المباني المدرسية في القرى الحدودية وما يليها فقط، بل تكمن في تمزق النسيج الاجتماعي والأكاديمي لمئات العائلات الجنوبية. ويُعدّ حرمان الطفل الجنوبي من حقه في تعليم استثنائي ومتكافئ جرحاً يضاف إلى جروح اللجوء والنزوح. وأمام هذا الواقع، أصبحت وزارة التربية والمؤسسات الدولية المعنية بالتعليم مطالبة أكثر من أي وقت باتخاذ إجراءات استثنائية تبدأ بتسهيل إداري مطلق يستغني عن الإفادات المدرسية المعقدة كشرط إجباري للتسجيل، ولا تنتهي بتوفير مقاعد دراسية آمنة لأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في قلب خط النار.

وفي مقابل الشلل الذي يهدد المستقبل الدراسي لآلاف الطلاب النازحين، يكشف مصدر في وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية لـ"العربي الجديد" اعتماد خطة تلحظ "أقصى درجات المرونة"، مع تأكيد أن الأولوية المطلقة في المرحلة الحالية هي ضمان سلامة التلاميذ والكوادر التعليمية. ويوضح المصدر أن المسح الميداني الأولي لبلدات الجنوب المحتلة والمستهدفة يُظهر تدمير نحو 30 مدرسة رسمية بالكامل جراء العدوان الإسرائيلي، وتضرر العديد من المدارس الخاصة، ونحو 100 مدرسة رسمية بدرجات متفاوتة.

ورغم الدمار في جنوب لبنان واحتلال العديد من القرى، يؤكد المصدر أن الوزارة حريصة على "الحفاظ على الكيان المعنوي" للمدارس المحتلة أو المدمرة، فثانوية بلدة الخيام الجنوبية (قضاء مرجعيون في محافظة النبطية) التي دُمّرت مبانيها ستواصل عملها افتراضياً. وفي الوقت نفسه، تمنح الخطة مرونة كاملة للأهالي عبر خيارات عدة. فمثلاً، إذا كان طالب من ثانوية بلدة الخيام نازحاً في منطقة الطريق الجديدة في العاصمة بيروت، يمكنه التسجيل في أقرب مدرسة رسمية إلى مكان سكنه الجديد ومتابعة التعليم حضورياً. أما المدارس غير المدمرة وغير المحتلة، فيعود قرار الالتحاق بها إلى تقدير الأهالي وإدارات المدارس للظروف الأمنية والمخاطر.

ويشير المصدر إلى أن "الوزارة لا تفرض التعليم الحضوري بالقوة، بل تتماشى مع قرار العائلات وما يناسب أمن أطفالهم"، ويؤكد تحديث جداول المدارس وشبكات التعليم باستمرار كي تلائم المستجدات. أما بالنسبة إلى المدارس التي تُستخدم مراكز إيواء، فيشدد المصدر على أن "الوزارة لا تتدخل في إخراج النازحين، بل تسمح بدمج التعليم مع الإيواء في المدارس التي يسمح تصميمها الهندسي والمكاني بذلك، من دون أن يتعارض ذلك مع كرامة النازحين أو أمن الطلاب".

 

المدن
أخبار مماثلة