ينقسم لبنان بين مشهدين: مشهد الدولة اللبنانية في الولايات المتحدة الأميركية واللقاء بين رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي جرى التحضير له مسبقاً والبحث فيه بكل الملفات، ومشهد إحياء الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، حيث كرر الشيخ نعيم قاسم المواقف نفسها، رافضاً مواقف الدولة اللبنانية وسياستها، وداعياً إلى الانسحاب من المفاوضات. مفاوضات يتم البحث في كيفية تفعيلها مجدداً من خلال زيارة سيجريها رئيس الوفد اللبناني المفاوض سيمون كرم لإيطاليا، وتحديداً للفاتيكان، في إطار استكمال الزيارة السابقة التي أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون للفاتيكان والتقى فيها البابا لاوون وطلب المساعدة مع الأميركيين. كما أن البحث سيتركز حول أي دور يمكن أن تلعبه إيطاليا في آلية التحقق.
مؤتمر اقتصادي مشروط
على مستوى اللقاء بين سلام وروبيو، تشير المصادر المتابعة إلى أن البحث تركز حول آليات تطبيق قرارات الدولة اللبنانية لسحب سلاح حزب الله، بينما طالب سلام بالعمل على ضرورة جدولة الانسحاب الإسرائيلي على أن يكون العمل متزامناً، إضافة إلى وضع صيغة للبحث في كيفية العمل على مساعدة لبنان في إعادة إعمار الجنوب وتوفير مشاريع اقتصادية. يبحث الأميركيون في تنظيم مؤتمر اقتصادي خاص بلبنان، لكن شروطه ستكون مرتبطة بتطبيق قرارات الدولة اللبنانية. كما أن البحث تناول مسألة عدم ترك فراغ بعد انتهاء مهمة قوات اليونيفيل في الجنوب، بينما واشنطن تطالب لبنان بأن يقدم هو الصيغة التي يراها مناسبة، على أن لا تكون مهمة هذه القوات محصورة في منطقة جنوب الليطاني.
ما بعد اليونيفيل
كان سلام واضحاً في طرحه، وهو ضرورة انسحاب إسرائيل، ووضع جدول زمني لذلك، إضافة الى التزام لبنان بسحب السلاح من حزب الله على كل الأراضي اللبنانية، وأن يتم وضع جدول زمني لذلك، مع المطالبة بالدعم الأميركي للجيش. اقترح سلام فكرة الخطوة مقابل خطوة؛ أي أن يدخل الجيش إلى منطقة يعمل على سحب السلاح منها، مقابل أن تنسحب إسرائيل من منطقة أخرى فيدخلها الجيش لسحب السلاح منها. وهذا ما ورد في البيان الصادر عن مكتب سلام حول تطبيق اتفاق إطار، حيث شدد على وجوب تجنب أي فراغ في الجنوب ما بعد اليونيفيل، وجرى البحث عن صيغ متعددة لذلك، وقد وعد الأميركيون بدعم لبنان ومساعدته في ذلك، من خلال البحث عن آلية دولية، على أن يتقدم لبنان بطرحها. ولكن لا وضوح حتى الآن حول شكل وصلاحيات هذه القوة.
عرقلة إسرائيلية
في المقابل، فإن مصادر ديبلوماسية متابعة تشير إلى أن إسرائيل تريد عرقلة أي اتفاق يتم الوصول إليه بشأن تشكيل القوة الدولية، لأنها تريد التنسيق العسكري والأمني المباشر مع الجيش اللبناني برعاية الأميركيين، ولا تريد لأي طرف آخر أن يكون موجوداً. في المقابل هناك مصادر أخرى تشير إلى أنه في حال لم يوافق حزب الله على نشر هذه القوات الدولية، ولم تتوفر الظروف المؤاتية، فإن الدول لن تكون مستعدة لإرسال جنودها خوفاً من تعرضهم لعمليات من قبل الحزب.
واشنطن "تتفهم"
ما يقوله الأميركيون واضح، وهو أن لا بديل عن اتفاق الإطار، وأنهم متمسكون به وبضرورة تطبيقه. وما لا يخفى هو تقاذف الكرة بين الأطراف المختلفة. فواشنطن تحاول أن تبرّر لإسرائيل تصعيدها وتمنحها مجالاً لما بعد الانتخابات، كما تبدو متفهمة للشروط الإسرائيلية بشأن عدم الانسحاب وخفض التصعيد قبل تفكيك سلاح حزب الله. أما لبنان فلا يزال يؤكد أن على إسرائيل تقديم تنازلات والانسحاب من بعض المناطق ليتمكن من بسط سيطرته وسحب السلاح. وهذا التقاذف تستغله إسرائيل لمواصلة تصعيدها.
الاقتصاد والمال
إذا كان اتفاق الإطار هو المطلوب أميركياً لنظم العلاقات اللبنانية الإسرائيلية، فذلك يعني أنه سيكون الإطار الذي سيحكم العلاقة على المستوى الأمني والعسكري، وعلى المستوى الاقتصادي أيضاً. هنا لا بد من الإشارة إلى أن المشاريع الاقتصادية المستقبلية أو المؤتمر الذي تريد واشنطن عقده لمساعدة لبنان لا يخرج عن الرؤية الأميركية للمنطقة الاقتصادية في الجنوب، وذلك يعني الوصول إلى اتفاقات اقتصادية مشتركة بين بيروت وتل أبيب. أما الممر الإلزامي لذلك، فسيكون في الإجراءات المالية التي على لبنان أن يتخذها وفق الشروط الأميركية وتتصل بإعادة هيكلة المصارف وملاحقة حزب الله مالياً ومؤسساتياً، كي لا يستفيد الحزب من ذلك مجدداً.