29 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 12-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات منوعات "ملحمة أسطوريّة" تفتتح الموسم الموسيقي للكونسرفتوار
"ملحمة أسطوريّة" تفتتح الموسم الموسيقي للكونسرفتوار
2026-10-12
"ملحمة أسطوريّة" تفتتح الموسم الموسيقي للكونسرفتوار

توقفت أزمنة العاصمة واعتلت ليالي بيروت الموسيقية ذروة المجد، لتشهد أمسية استثنائية مبهرة بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، أبدع تفاصيلها المعهد الوطني العالي للموسيقى- الكونسرفتوار بدعوة من رئيسته هبة القواس، في ملحمة فنية كبرى تدفق فيها الإبهار والألق والوفاء المطلق في أنقى تجلياته، إيذاناً بافتتاح الموسم الموسيقي 2026–2027.

تقاطعت في هذه الليلة الباذخة معجزات الجمال، بدءاً بالتحيّة التي ارتكزت عليها الاحتفالية الكبرى، والتي ومن موقعها على رأس الهرم في الكونسرفتوار اليوم، أرادت المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس أن يكون هذا الاستهلال الموسيقي تحية حب وامتنان لرجل استثنائي وهب حياته لهذا الصرح. هذه التحية التي تحوّلت طقساً من طقوس الوفاء لقامة موسيقية وطنية استثنائية حفرت اسمها في ذاكرة الوطن في الذكرى الخامسة عشرة على غيابه، وهو الموسيقار الراحل الدكتور وليد غلمية، بالتزامن مع الإطلاق الرسمي لـ «عام وليد غلمية» (2026) والتي ستُستكمل بسلسلة من الفعاليات والحفلات المكرّسة لتخليد إرثه. مروراً بسحر المكان العريق ووقار تاريخ متحف سرسق حيث ارتفع المسرح الضخم بجلاله وإضاءته ومؤثراته في حديقة المتحف وباحته الخارجية، إلى عبقرية المؤلفات السمفونية، وصلابة حضور الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو الساحر هاروت فازليان، وصولاً إلى الحشود الجماهيرية الغفيرة والحضور النخبوي النوعي الذي تقاطر ليشارك في هذا المحفل التاريخي.

واستكمالاً للإدهاش الذي رافق مفاجآت هذه الليلة الفريدة، أطلقت القواس «جائزة وليد غلمية» للتأليف والأداء الموسيقيّين، في خطوة رسّخت معاني الوفاء الذي ظلّل الاحتفالية. احتفالية شاء الكونسرفتوار عبر رئيسته ومجلس إدارته وهيئاته الموسيقية والإدارية والتعليمية، أن تكون على مستوى من التفاني والاحتراف والكمال لتليق بروح مؤلف وقائد موسيقي، والأب المؤسس للبنية التحتية الأوركسترالية الحديثة في لبنان.


افتتاحاً، ألقت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى كلمة وجدانية ناطقة بالوفاء والعمق الإنساني والمؤسساتي، مستعيدة فيها أبعاد مسيرة المؤسس الدكتور غلمية بعد خمسة عشر عاماً على رحيله، وربطت فيها شجون الغياب بمسؤولية الحاضر وإعادة إحياء الإرث السمفوني، معلنةً انطلاق «عام وليد غلمية»، واختتام الكلمة بلحظة وفاء فارقة تُوّجت بإطلاق «جائزة وليد غلمية» لدعم التأليف والأداء الموسيقيين.

وتابعت القواس: «من مرجعيون ووادي التيم وجبل حرمون، إلى الموروثِ البيزنطيّ الذي حمَلَه من بيئتِه، إلى الامتداداتِ المقاميّةِ والإيقاعيّةِ والروحيّة لبلادِ الشام والعراق، كانت هذه العناصرُ تدخلُ في صلبِ تفكيرِه التأليفيّ: في بناءِ المادة، وفي تطويرِها، وفي النسيج الأوركسترالي.

وختمت: «إنّ الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية التي تجلسُ أمامنا الليلة، والتي أسّسَ وليد غلمية نُواتَها السمفونية الوطنية، ثم توقفتْ لسنواتٍ وأعَدْناها إلى الحياة، تعودُ الليلة لِتعزِفَ موسيقى وليد غلمية. وأودُّ هنا أن أتوجّهَ بتحيةٍ خاصة إلى قائد الأوركسترا، المايسترو هاروت فازليان، الذي يقودُ هذه الأمسية بما تحملُه من معنىً موسيقيّ وإنسانيّ خاص؛ وإلى كل موسيقيّات وموسيقيّي الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية الذين يحملون الليلة موسيقى وليد غلمية من الورقِ إلى الصوت.

ويَسرّني أن أعلنَ الليلة عن إطلاقِ «جائزة وليد غلمية»، لتكونَ جائزةً تحملُ اسمَه إلى الأجيالِ المقبلة، وتعيدُ وصلَ اسمِه بما كان جوهرَ مشروعِه.

وعلى خشبة متحف سرسق التي صممت خصيصاً للحدث الكبير، تناغم السحر والمكان حين اعتلت «الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية اللبنانية» المنصة بقيادة المايسترو المرموق هاروت فازليان، لتقدم لوحات موسيقية تنبض بالرقي والعمق من مؤلفات غلمية. فأبحرت الأوركسترا في عوالم غلمية السمفونية، كاشفةً عن البناء المعماري والهارموني الفذ لأعماله.

​أما المفاجأة الكبرى في الاحتفالية، التي ألغت الفاصل بين الحلم والحقيقة، فكانت صوت هبة القواس الأوبرالي الاستثنائي معانقاً روح الراحل بعد غياب طويل. إذ خلعت رئيسة الكونسرفتوار، المؤلفة الموسيقية والمغنية الأوبرالية الدكتورة هبة القواس، عباءة الرئيسة والإدارة وثقل المسؤوليات الرسمية التي تفرّغت لها طوال السنوات الماضية، لترتدي مجدداً رداء الغناء الأثير، عائدةً إلى عرشها الأوبرالي الذي طالما ملأته سحراً وتألقاً. وفي لحظة إنسانية وفنية فارقة، أطاحت بحدود المنصب لتلتحم بروح المعلم الراحل، امتشقت القواس خشبة المسرح، لتصدح بصوتها الأوبرالي وقدراتها التعبيرية، وكأن نبراتها الساحرة جاءت لتروي ظمأ المسارح التي افتقدت حنجرتها الذهبية طويلاً. فقدمت القواس قطعتين عابرتَين للزمن من ألحان وليد غلمية وكلمات الشاعر والأديب جورج جرداق، وهما الأغنية الخالدة «روح واتركني» التي أسرَت القلوب وعُرفت القواس بأدائها لها في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب رائعة «جيبي». وبأداء أوبرالي يمزج القوة بالشفافية المطلقة، وتحكّم تقني رفيع، وطبقات صوتية رحبة قادرة على حمل أثقل المعاني الدرامية والوجدانية، غاصت القواس في أعماق البناء الهارموني لألحان غلمية، مانحةً إياها أبعاداً تعبيرية وصوتية جديدة، ومجسدةً تقاطُعاً فنياً سامياً تتوحد فيه عبقريات اللحن والكلمة والصوت.

 

أخبار مماثلة