ليس فيلم «نازا» الوثائقي مجرد عمل سينمائي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2026، بل هو شهادة سياسية وأخلاقية تستحق التوقف أمامها، لما يطرحه من أسئلة خطيرة حول طبيعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وآليات اتخاذ القرار العسكري، وحدود المسؤولية عن قتل المدنيين الفلسطينيين وتدمير مقومات حياتهم.
تكمن الأهمية الاستثنائية للفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان يوڤال أبراهام وراشيل زور، في اعتماده على شهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الإسرائيليين الذين ارتبطت أعمالهم بالحرب على غزة. فبدلاً من الاكتفاء بشهادات الضحايا أو روايات المراقبين الخارجيين، يحاول الفيلم الاقتراب من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، واستكشاف الكيفية التي جرى بها تحديد الأهداف، واستخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي، والتعامل مع الخسائر البشرية الفلسطينية بوصفها أرقاماً تدخل في حسابات العمليات العسكرية.
ويكتسب عنوان الفيلم دلالة عميقة؛ إذ يرتبط بمصطلح عسكري عبري يُستخدم للإشارة إلى «الأضرار الجانبية»، وهو التعبير الذي يثير بدوره سؤالاً أخلاقياً وقانونياً جوهرياً: متى تتحول المصطلحات العسكرية من أدوات لوصف الوقائع إلى وسيلة لتطبيع الموت، واختزال حياة المدنيين وأسرهم وأطفالهم في تقديرات رقمية تسبق تنفيذ الهجمات؟
إن أخطر ما يطرحه الفيلم، وفق ما نشرته الجهات الصحفية المشاركة في إنتاجه والتغطيات النقدية التي تناولته، ليس مجرد وقوع ضحايا مدنيين خلال الحرب، بل الشهادات المتعلقة بآليات استهداف الأشخاص ومواقع وجودهم، ومدى معرفة الجهات العسكرية باحتمالات سقوط أعداد كبيرة من المدنيين عند تنفيذ بعض الضربات. وإذا ثبتت هذه الممارسات بالأدلة المستقلة، فإنها تتجاوز النقاش حول الأخطاء الفردية إلى مساءلة السياسات والإجراءات وسلسلة المسؤولية داخل المؤسسة العسكرية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف المنهجي يقتضي التمييز بين أهمية الشهادة وقوة الإثبات. فوجود 24 شاهداً من داخل المؤسسة العسكرية يمنح الفيلم قيمة تحقيقية كبيرة، لكنه لا يجعل كل ما ورد فيه حقيقة قضائية نهائية بمجرد عرضه. وتبقى مصداقية التفاصيل مرتبطة بإمكان التحقق من الوقائع، ومقارنتها بالوثائق العسكرية المتاحة، والأدلة الميدانية، والشهادات الفلسطينية، والتحقيقات الصحفية المستقلة، وما قد يتوافر من نتائج تحقيقات قانونية مختصة.
كما أن إخفاء هويات الشهود، الذي استهدف حمايتهم من التهديدات والملاحقة، يضع أمام الباحثين تحدياً إضافياً يتعلق بالتحقق من أدوارهم ومدى اطلاعهم المباشر على الوقائع التي يروونها. غير أن إخفاء الهوية لا يُسقط الشهادة تلقائياً، مثلما أن الانتماء إلى المؤسسة العسكرية لا يمنح الشاهد حصانة من المساءلة أو يجعل روايته بمنأى عن التدقيق. والمعيار الصحيح هو الأدلة واتساق الروايات وإمكان اختبارها والتحقق منها.
وتزداد أهمية الفيلم لأنه يأتي من مخرجين إسرائيليين، وفي مواجهة رواية رسمية تسعى إلى تقديم العمليات العسكرية باعتبارها إجراءات تستهدف حركة حماس ومواقعها، مع إرجاع الخسائر المدنية إلى ظروف القتال. فالشهادة القادمة من داخل المؤسسة العسكرية تفتح نافذة مختلفة للنقاش، وتضع المجتمع الإسرائيلي أمام أسئلة تتعلق بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، كما تضع الرأي العام الدولي أمام ضرورة عدم الاكتفاء بالتصريحات الرسمية، بل فحص ما يجري على الأرض وما يكشفه العاملون داخل المنظومة العسكرية نفسها.
وقد حظي الفيلم باهتمام دولي واسع في مهرجان البندقية، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، كما أثار جدلاً وانتقادات داخل إسرائيل. لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في الجائزة وحدها، ولا في حجم الجدل الذي أثاره، بل في قدرته على فتح المجال أمام مساءلة جادة للسياسات والممارسات التي يتناولها، وإخضاع الروايات المتعارضة لمعيار الحقيقة والأدلة.
ومن هنا، فإن التعامل مع «نازا» ينبغي ألا يكون انفعالياً، سواء بالتسليم بكل ما يرد فيه دون تحقق، أو برفضه لمجرد أنه يثير اتهامات خطيرة بحق الجيش الإسرائيلي. الموقف الموضوعي يقتضي قراءة شهاداته بعناية، والتحقق من مضامينها، وربطها بالسجل الموثق للدمار والضحايا في قطاع غزة، وبالقواعد الملزمة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين.
فالقانون الدولي لا يجيز استهداف المدنيين، ولا يجعل استخدام التكنولوجيا المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي بديلاً عن المسؤولية البشرية والقانونية عن قرارات الهجوم. كما أن وصف الضحايا بأنهم «أضرار جانبية» لا يعفي أصحاب القرار من واجب التحقق من مشروعية الأهداف، وتقدير الأضرار المتوقعة، والامتناع عن الهجمات المحظورة قانوناً. وتظل المسؤولية الجنائية الفردية رهناً بإثبات الأفعال والركن المعنوي وسائر العناصر القانونية أمام الجهات القضائية المختصة.
إن مأساة غزة لا تحتاج إلى فيلم كي تثبت أن المدنيين الفلسطينيين دفعوا ثمناً كارثياً لهذه الحرب؛ فالدمار الواسع، وفقدان الأرواح، وتشريد العائلات، وتدمير المنازل والمنشآت المدنية، كلها وقائع تستوجب التحقيق والمساءلة. لكن أهمية «نازا» أنه يحاول الاقتراب من الجانب الذي لا تتيحه صور الركام وحدها: كيف تُصنع القرارات، وكيف تُحدّد الأهداف، وكيف تُحسب الخسائر البشرية، وكيف يمكن للغة العسكرية والإجراءات التقنية أن تحجب الإنسان الذي يقف في نهاية كل قرار.
وفي المحصلة، يقدم «نازا» مادة وثائقية تستحق المشاهدة والنقاش والتحقيق المستقل، لا باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً، بل بوصفها شهادة من داخل المؤسسة العسكرية تثير أسئلة لا يجوز تجاهلها. فالحقيقة لا تكتمل بجائزة سينمائية، ولا تُحسم بإنكار رسمي؛ إنها تتطلب أدلة قابلة للتحقق، وتحقيقات مستقلة، ومساءلة لا تستثني أحداً.
وإذا كانت هذه الشهادات تفتح ثغرة في جدار الصمت، فإن الواجب السياسي والقانوني والإنساني هو توسيعها حتى تصل الحقيقة إلى المجتمع الدولي، ويُحاسَب المسؤولون عن الجرائم التي تثبتها التحقيقات، ويُصان حق الشعب الفلسطيني في الحياة والحرية والعدالة. فالمعيار النهائي ليس هوية الشاهد أو جنسيته، بل حقيقة ما جرى، وحقوق الضحايا، وضرورة إنهاء الإفلات من العقاب.