كشف التقرير البيئي الذي اعده المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ان تونس عرفت خلال ثمانية اشهر متتالية ( يناير/جانفي الى اغسطس / اوت 2026) ازمة بيئية غير مسبوقة ادت الى مضاعفة الحركات الاحتجاجية مقارنة بالسنوات الماضية .
ووفقا للتقرير شهدت تونس خلال الثمانية أشهر الأولى لسنة 2026، تسجيل 1018 تحركاً بيئياً من أصل 5388 تحركاً احتجاجياً اجتماعياً، أي ما يعادل 19%من مجموع التحركات الاجتماعية. وتظهر القراءة الكمية لأرقام 2026 تحوّلاً ملحوظا في مسار الحراك الاحتجاجي البيئي مقارنة بحالة الاستقرار النسبي التي ميّزت السنوات بين 2023 و2025، حيث شهد عدد التحركات البيئية ارتفاعا بما يقارب 350% مقارنة بنفس الفترة للسنوات الثلاث السابقة التي لم تتجاوز فيها الأرقام سقف 300 تحرك. كما أن عدد التحركات للثمانية أشهر الأولى من سنة 2026 تجاوز بمفرده مجموع التحركات السنوية المرصودة لكل سنة من السنوات الماضية ب220%.
وتكشف هذه الأرقام الواقع البيئي والاجتماعي المتأزم الذي عاشته البلاد خلال صائفة 2026
بشكل خاص، مع موجة حر غير مسبوقة وانقطاعات متكررة ومتزامنة لمياه الشرب والكهرباء وموجة حرائق طالت مساحات واسعة من الغطاء الغابي والأراضي الفلاحية، وما انجر عن هذه الأزمات من خسائر بشرية ومادية.
ويمكن عبر القراءة المتقاطعة للأرقام والسياق العام وتحولات الحراك البيئي خلال السنوات الأخيرة القول بأن النسق المرتفع لوتيرة الحراك البيئي خلال الثمانية أشهر الأولى من السنة لا يرتبط بالأساس بتطور في الوعي الجماعي بل أن الحراك البيئي كان مُحفَّزاً بالحدث، حيث ترتبط ذروته الزمنية ارتباطاً مباشراً بلحظة تقاطع الأزمة المناخية مع الصعوبات الهيكلية في تأمين الخدمات الأساسية.
وعليه فإن اعتماد قراءة سوسيولوجية لتسارع الحراك البيئي خلال سنة 2026 يبرز أن الربط المباشر بين البعد البيئي والاجتماعي لم ينشأ من تطوّر في الخطاب البيئي أو من نضج تنظيمي للحراك، بل “فُرض“ بفعل تراكم صدمات مناخية متعاقبة بداية من فيضانات جانفي، مروراً بموجة حر جويلية التي حوّلت أزمة الموارد الطبيعية من مشكل تقني و”ترف احتجاجي” إلى تهديد مباشر ومحسوس للمعيشة اليومية والصحة العامة. وهكذا فان اتساع رقعة التعبئة جاء من انتهاك حقوق حياتية أساسية تجمع بين مختلف الفاعلين.ات لا من وعي إيكولوجي بضرورة توحيد الصفوف والشعارات.
من جانب اخر يأتي هذا النسق المتسارع للحراك البيئي لتأكيد فرضية “الانفجار المؤجّل” التي رصدها التقرير السنوي للحركات البيئية في سنة 2025، الذي خلص الى ان الحراك البيئي رغم كثافته لم يتحول بعد إلى موجة احتجاجية وطنية تربط ربطا مباشرا المطالب البيئية بقضايا الصحة والشغل والعدالة الاجتماعية، وذلك باستثناء بعض التحركات التي نجحت في دمج هذه الأبعاد على غرار حراك “نحب نعيش” بقابس وحراك “يزينا” بالرديف.
المحاور الكبرى للحركات البيئية
مثّل الحق في الماء المطلب الرئيسي المهيمن على الحراك البيئي خلال الثمانية أشهر الأولى من سنة 2026 وذلك بنسبة 80% من مجمل التحركات، أي ما يعادل 814 تحركاً من أصل 1018، مقابل 162 تحركاً من أجل الحق في بيئة سليمة و42 تحركاً ذا طابع فلاحي وتظل الأزمات البيئية الأخرى كالتلوث (تلوث صناعي، نفايات، صرف صحي، فلاحة) قضايا ثانوية من حيث قدرتها على الحشد وتحريك الفاعل البيئي وبالتالي
شكّلت مطالب الحد من التلوث الصناعي والهوائي الأولوية الثانية في مطلبيات الحراك البيئي لسنة 2026 وذلك ب120 تحركاً ، أي ما نسبته 11.8% من إجمالي الحراك البيئي ، تركّزت في غالبيتها بولاية القيروان التي استأثرت وحدها بـ99 تحركاً، تلتها قابس ب 13 تحركات وولاية قفصة ب6 تحركات .وقد غلب على هذه التحركات الطابع التصادمي المباشر، إذ اتخذ 98 تحركاً شكل اعتصامات نُفِّذت عند مقرّات العمل الرسمية للمشاريع الملوثة .كما تم تسجيل 42 تحركا ضد أشكال التلوث الأخرى مثل الصرف الصحي (13 تحركاً) و النفايات الصلبة والمصبات العشوائية (15 تحركاً) وأسباباً أخرى التدخل العاجل لإخماد حرائق الغابات(14 تحركاً)
وسجّل القطاع الفلاحي 42 تحركاً من أصل 1018 تحركاً بيئياً على المستوى الوطني، أي ما يعادل 4% من مجمل الحراك البيئي للفترة التي يغطيها هذا التقرير (منها 33 تحركاً لمطلبيات شغلية و9 تحركات بسبب انقطاع مياه الري). وتبقى المطالب الأساسية لهذا القطاع هي توفير مياه الري بصفة منتظمة ودائمة، وتفعيل صندوق الجوائح وصرف التعويضات للفلاحين المتضررين من الظواهر المناخية المتطرفة وخاصة منها الفياضانات وحرائق الغابات، وتوفير الأسمدة الأزوتية في ظل تعطّل التزويد بها بالكميات والآجال الكافية، إلى جانب تحركات احتجاجية ضد التلوث الناجم عن مصبات معاصر الزيتون (المرجين) بولاية القيروان خصوصاً.
محافظة القيروان في الصدارة:
تصدّرت ولاية القيروان مجدداً مشهد الحراك البيئي لسنة 2026 بتسجيل 149 تحركاً، أي ما يعادل %14,6 من المجموع الوطني (1018 تحركاً). وتلتها المنستير بـ65 تحركاً، ثم بروز لافت لولايتي بن عروس (60 تحركاً) وأريانة (57 تحركاً) ، فالمهدية (55 تحركاً) وقفصة (54 تحركاً). ويؤكد دخول ولايات تونس الكبرى ضمن هذا الترتيب اتساع رقعة الحراك البيئي لتشمل العاصمة وضواحيها في مؤشر على تعميم الأزمة البيئية لتتجاوز الجهات الداخلية والساحلية التقليدية.
كما تعكس الأرقام تحوّلاً لافتاً في طبيعة الحراك بولاية القيروان، إذ لم يعد مرتبطاً بأزمة الماء فقط كما كان الحال في السنوات السابقة، بل تم تسجيل 99 تحركاً ينددّ بالأضرار البيئية الناجمة عن التلوث، ولعل أبرز هذه التحركات هو المرتبط بالتلوث الصناعي في منطقة الرويسات جراء نشاط معمل الاسمنت “سوتاسيب”، الذي نفّذ ضده الأهالي سلسلة من الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية المنظمة، في مشهد غير مسبوق لطبيعة الحراك في القيروان الذي انتقل من احتجاجات متفرقة محدودة الأثر إلى تعبئة مركّزة حول قضية واحدة.
وبخصوص اشكال التحرك البيئي غلب على الحراك البيئي لسنة 2026 الطابع الرقمي والافتراضي بشكل واضح، إذ شكّلت التحركات عبر شبكات التواصل الاجتماعي النسبة الأكبر ب566 تحركاً، أي ما يعادل 55.6% من مجمل أشكال التحرك، تلتها النداءات عبر وسائل الإعلام ب228 تحركاً، أي ما نسبته 22.4%، ليحتضن الفضاء الرقمي مجتمعاً قرابة 78% من إجمالي الحراك البيئي. في المقابل، اتخذت الأشكال الميدانية المباشرة حيزاً أقل نسبياً، تصدّرتها الاعتصامات عند مقرات العمل بواقع 98 تحركاً، أي ما يعادل 9.6%، تلتها الوقفات الاحتجاجية وغلق الطرقات مجتمعةً ب114 تحركاً ما نسبته11% .
ويعكس هذا التوزيع استمرار لجوء غالبية الفاعلين والفاعلات لقنوات التعبير الرقمية والإعلامية بدل الفعل الاحتجاجي الميداني ، وهو ما يمكن تفسيره بعاملين مترابطين: من جهة، سهولة الوصول إلى هذه القنوات وانخفاض كلفتها التنظيمية مقارنة بالتحركات الميدانية، بما ينسجم مع الطابع العفوي وغير المؤطَّر الذي ميّز غالبية هذا الحراك؛ ومن جهة أخرى، استمرار التضييق الأمني وتصاعد موجة الايقافات التي طالت عدداً كبيرا من المحتجين.ات خلال هذه الفترة، وهو ما يرجَّح أن يكون قد ساهم في دفع جزء من الفاعلين والفاعلات نحو أشكال تعبير اكثر امانا وابعد عن المواجهة المباشرة في الفضاء العام