19 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 31-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

خاص جنوبيات خاص جنوبيات من سيعرف كيف يطمئنها؟
من سيعرف كيف يطمئنها؟
د. مؤيد بدران
2026-10-31
من سيعرف كيف يطمئنها؟

 

حين يسألني أحدهم عن ابنتي، أبتسم وأقول: الحمد لله. ثم أتابع يومي، كأيّ أبٍ يحمل ابنته في قلبه أينما ذهب.

ابنتي تعاني من اضطراب طيف التوحد، وهي لا تتكلم. لكن صمتها ليس فراغًا، ولا يعني أن داخلها خالٍ من المشاعر. لها عالمها الخاص، وفي عينيها وتفاصيلها ما يحتاج إلى قلبٍ صبور كي يفهمه.

ومع كل الحب الذي يملأ قلبي لها، هناك سؤال يلاحقني، ولا أجد له جوابًا يطمئنني: من سيعرف كيف يطمئنها إذا غبت؟

من سيفهم ما يريحها وما يخيفها؟ من سينتظرها حتى تعبّر بطريقتها؟ ومن سيمسك بيدها برفق، لا ليغيّرها، بل ليقول لها: أنا هنا، أفهمك، ولن أتركك وحدك؟

هذا السؤال لا يعني أنني أرى ابنتي عبئًا. هي ابنتي، وفرحتي، وقطعة من روحي. لكن الأبوة تجعل القلب يفكر في الغد، حتى حين يعيش صاحبه سعادة اليوم. أفكر في الأيام التي قد لا أكون فيها إلى جوارها، وأتمنى لو أستطيع أن أترك لها من حبي ما يكفي ليصير أمانًا حولها.

لا أخاف من اختلافها. أخاف من عالمٍ يستعجل الحكم على من لا يشبهه، ومن قلوبٍ لا تمنح الصمت فرصةً كي يُفهم. أخاف أن يظنّ أحدهم أنها لا تشعر لأنها لا تتكلم، أو أنها لا تفهم لأن كلماتها لا تصل إلينا.

كم من مشاعرٍ لا تحتاج إلى صوت كي تكون حقيقية. وكم من قلبٍ يقول «أحبك» بعينيه، أو بوجوده قرب من يثق به، أو بفرحته الصغيرة حين يجد من يفهمه.

لا أتمنى أن تصبح ابنتي نسخةً من أحد. أتمنى فقط أن يكون العالم أرحم بها، وأن يتعلّم الناس أن لكل إنسان طريقته في التعبير، وأن الإصغاء لا يكون بالأذن وحدها؛ أحيانًا يحتاج إلى صبرٍ، وانتباه، وقلبٍ لا يتعجل.

يا ابنتي، لا أعرف ماذا يحمل لكِ الغد، لكنني أعرف ما أتمناه لكِ: أن تجدي دائمًا من يراكِ كما أنتِ، ويحبكِ كما أنتِ، ويمنحكِ الأمان دون أن يطلب منكِ أن تتغيري كي تستحقيه.

وحين أفكر في غيابي يومًا، لا يشغلني ما سأتركه من أشياء. يشغلني أن أترك في قلوب من حولك ما يكفي من المحبة والرحمة، ليكملوا الطريق معكِ بحنان.

فبعض الآباء لا يخافون من الرحيل بقدر ما يخافون أن يتركوا خلفهم ابنةً أحبّوها بكل ما فيهم، وما زالوا يتمنون أن يتعلّم العالم كيف يطمئنها.

 

أخبار مماثلة