عام >عام
بين "يوم المرأة" و"عيد الأم".. فصل الربيع يطلُّ وغصّة في قلوب الأمهات
"دار السلام" - صيدا يحتضن المُسنّات ويؤمّن لهن الاهتمام والعلاج
الأمهات: أولادنا يزوروننا باستمرار ولا نريد أنْ نكون عبئاً على أحد
بين "يوم المرأة" و"عيد الأم".. فصل الربيع يطلُّ وغصّة في قلوب الأمهات ‎الأربعاء 9 آذار 2016 07:04 ص
بين "يوم المرأة" و"عيد الأم".. فصل الربيع يطلُّ وغصّة في قلوب الأمهات
هناء لبيب أبو ظهر وطه القطب يحتفلون مع الأمهات المسنّات بعيدهن في دار السلام

ثريا حسن زعيتر:

يفتح شهر آذار ذراعيه على مناسبات عديدة تتفتّح فصول حُبّها مع الربيع، ويشكّل عيد الأم في الحادي والعشرين منه محور الحياة والفصول، فالأم هي ربيع العمر، وفصل الربيع هو أم الفصول... ثنائية مترابطة تتكامل مع يوم الطفل و"يوم المرأة العالمي" وبينهما عيد المعلم، وتشكّل المرأة فيها الركن الأساس في بناء المجتمع...
يأتي عيد الأم خجولاً وحزيناً على بعض الأمهات الوحيدات اللواتي فَقَدن أولادهن، أو المُعيل لهن، وفي قلوبهن غصّة من قسوة الحياة، وفي عيونهن الدموع، فمنهن من فَقدَتْ ابنها شهيداً، أو هاجر وتنتظر عودته، أو خُطِف ولم تعرف مصيره، حيث تتحوّل المناسبات إلى محطات للوجع وتعميق الإحساس بالغياب والفراق، الذي يقضي على كل شعور بالفرح...
في "دار السلام" المشرفة على مدينة صيدا، تُقيم العشرات من الأمهات في غرف يخيّم عليها الصمت أحياناً أو الفرح في أحيان أخرى... ينتظرن عيدهن بفارغ الصبر، ليرين فلذات أكبادهن وأحفادهن في إعادة جمع الشمل بعدما حالت الظروف دون التلاقي الدائم...
"لـواء صيدا والجنوب" حطَّ رحاله في "دار السلام" التابع لـ "جمعية جامع البحر الخيرية" والواقع على تلة "شرحبيل بن حسنة" - صيدا، ليعيش مع الأمهات مشهد انتظار فرحة العيد، شعورهن وحبهن لأولادهن...

اهتمام... وعلاج

داخل "دار السلام" تختلف حكايات الأمهات وقصصهن، فمنهن اللواتي ينتظرن قدوم أولادهن بفرح، واللواتي ينتظرن بصيص أمل ليوم جديد، خاصة التي لا معيل لها، أو أهل يطمئنون عنها، أو التي تتواجد في الدار وهي بحاجة إلى عناية وعلاج.
ندخل إلى الدار، حيث تلفت الأنظار البالونات والورود المزيّنة لتدخل الفرحة إلى قلوب المُسنّات والمسنين، فجميع من داخل "الدار" يتلقّى معاملة حسنة، تميّزها الكلمة الطيبة والمودة والاحترام.
* تجلس ليلى دسوقي (70 عاماً) وهي تسرح شاخصة بعينيها من النافذة تتنهّد وتقول: "أنا لم أتزوّج وبقيت عزباء، وبعدما توفى والداي أقمت عند شقيقتي، لكنها توفت، وبعد فترة من الزمن عملت في أحد الفنادق وأقمت فيه، إلى أنْ عجزت عن العمل، بسبب ألم في عيني، ولم أتمكن من العمل وإعالة نفسي فانتهى بي الحال هنا".
وأضافت وبحسرة: "لقد مررتُ بذكريات كثيرة، منها الجميلة، ومنها الحزينة، لقد تعذّبت كثيراً ولم يكن هناك منزل يأويني، الحمد لله لقد حضنتني "جمعية جامع البحر الخيرية"، واهتمت بكل تفاصيل حياتي حتى العلاج، لكن لو تزوّجت وأنجبت أولاداً لكانوا اليوم سنداً لي في الحياة، وكنت سمعت كلمة: ماما".
وتذرف دمعة لتتابع بغصّة: "آه كم كنت أتمنى أن أسمع كلمة "ماما" حتى لو من غير أولادي، خاصة في عيد الأم، حيث يزورنا كثيرون، وتُقيم لنا الدار احتفالاً، لكن تبقى في قلبي غصّة، فالمعاملة في الدار جيدة، يعاملوننا بعطف وحنان وكأنهم أولادنا".

معاملة جيدة

* إلى جانب ليلى تجلس مريم (80 عاماً وهي مريضة) قالت: "أُقيم في الدار منذ 4 سنوات، لديّ 5 أولاد، يأتون لزيارتي باستمرار ويطمئنون إلى صحتي، فأنا طلبت منهم أنْ أدخل إلى الدار لأنني مريضة، ولديّ شلل نصفي، وبحاجة إلى العلاج والاهتمام بشكل دائم، ورغم أنهم لم يتركوني في المنزل لوحدي، فأصرّ أبني أن أعيش عنده، والحمد لله خلّفت وربّيت ولقيت معاملة جيدة من أولادي، لكن وضعي بحاجة إلى العناية والعلاج وهنا أفضل".
وختمت: "في عيد الأم، الأمنية التي تراودني دائماً أنْ تجتمع العائلة كاملة في المنزل، ونتبادل الهدايا بين الأمهات والأحفاد، كي نعيش جواً من البهجة والسعادة، في ظل حياة كلها فرح وسعادة، لقد مضى العمر، ولم يعد منه الكثير، كل عام والأمهات بخير، أينما كنّا في هذا العالم، فالدنيا أم، والأم كل الدنيا".

حنين.. واشتياق

* داخل إحدى الغرف تشاهد نبيهة (75 عاماً) "التلفاز"، وقالت: "لديّ 3 أولاد، شابان وفتاة، وجميعهم تزوّجوا، ولديهم مسؤوليات، لذلك طلبتُ من أولادي أنْ أدخل إلى الدار. في البداية رفضوا، لكنّني أصررت عليهم، فأنا مريضة وبحاجة إلى عناية وعلاج، وهنا أفضل لي، ومنذ عدّة سنين تقريباً أُقيم بالدار مع أصحاب لي، اتسلّى كثيراً، وأتلقى العلاج وأولادي يزوروني كل يومين، خاصة البنت فهي حنونة كثيراً، وتطلب منّي أنْ أترك الدار لنعود إلى المنزل، لكنّني أرفض ذلك، ولا أريد أنْ أحمّل ثقلي لأحد، فأنا مرتاحة هنا، ويعاملوننا معاملة ممتازة وكأنّني في منزلي وبين أهلي وأولادي".
وأضافت: "صحيح أشتاق إلى أولادي، خاصة في الليل، لكن ما يعوّضني هو أنهم يحبّونني ويزورونني ولا يتركونني، فكلمة "ماما" تساوي الدنيا، خاصة بعيد الأم حيث يأتون مع أولادهم، وحتى بالمناسبات والأعياد، فنضحك ونتذكّر الذكريات الجميلة التي مرَّت".


* بينما كانت الحاجة ثروت (85 عاماً) تجلس مع أصحابها المسنّات نقف على رأيها فتقول: "جئت إلى الدار منذ سنتين كي أتلقّى العلاج والعناية من مرض، لديّ 9 أولاد جميعهم متزوجون. في البداية رفض أولادي الفكرة، لكنّني صمّمت على ذلك، لأنّني لا أريد أن أكون "عالة على أحد"، أشعر هنا بالراحة والاستقرار، هناك مَنْ يسهر على راحتي، وتأمين كل ما نحتاج إليه، ولديّ صديقات أتشارك وإياهن الأحاديث والهموم، ويزورني أولادي دائماً ويحضرون لي كل ما أحتاج إليه".
وأضافت: "صحيح الحياة جميلة مع الأولاد والأحفاد لكن الظروف صعبة، وها هم يأتون لزيارتي كل أسبوع تقريباً مرّتان، ولا يتركون مناسبة إلا ويكونون معي، خاصة في الأعياد، وتحديداً "عيد الأم" وهم حاملون معهم الهدايا و"الكيك" (قالب الحلوة)، فأنا أعايد الأمهات وخاصة أمهات الشهداء، وأدعو لأولادي بالخير والتوفيق من قلبي وروحي، وأن يبقوا على الطريق المستقيم، ويحفظهم الله من كل شر وسوء، ففرحهم يعني فرحي، وهذا ما تتمناها  كل أم  لفلذات أكبادها".

 

 

 

 

دار السلام.. إدخال البهجة والسرور إلى قلوب النزلاء المسنّين

 

 

 

 

 

المصدر :