عام >عام
انتفاضة الموتى
انتفاضة الموتى ‎الجمعة 19 شباط 2021 13:35 م
انتفاضة الموتى

محمد صفا

غادر بلال منزله للتمرن على لعبة كرة القدم فمباراة كأس العالم هذا العام، وبزوغ " مارادونا" أشعل الحماس في قلوب ألشبيبة والأطفال في كافة المناطق اللبنانية، فالطرقات والساحات العامة أضحت ملاعب، اذا لم نقل " كوريدورات" البيوت ايضا.
بلال واحمد وخليل و... و.... و..أطفال بعمر الورود حولوا بورة ترابية الى ملعب يتدربون عليه، الملعب مسور بحجارة صغيرة والمرمى بدولابين من الكاوتشوك. هذه " البورة" مكب للنفايات محاطة بأكوام رملية كان يؤمها رواد الهوى ليلا، الا أن مطاردة قوى الامن الداخلي لهم حالت دون تحويلها الى حانة كبيرة.
كل يوم ترانا نتفرج على "مارادونات" حينا، نراهم يلعبون، يضحكون، تتسخ ثيابهم بالرمل، وعندما يشتد القصف على خطوط التماس التقليدية، أو الخطوط الجديدة المستحدثة، أو يزعق صوت قناص، ينبطحون أرضا، ثم يكملون لعبتهم، وهكذا... يكبر الفريق ويصبح بلال مدربه وخليل الكابتن العام.
- هذا الملعب أفضل من ملعب القرية، فأبو مصطفى مزق لنا الكرة ثلاث مرات لأنها سقطت في حقله..
- سامي الشرير هدد باطلاق الرصاص علينا لأن الرياضة ملهاة لنا عن دروسنا وأعمالنا و...و...
- جعفر الراعي طلب منا أن تكون الكرة سوداء والإ منعنا من المرور على الطريق العام.
- والبيك ماذا قال؟
- ألبيك أخبر وكيله العام انه سيفرض ضرائب جديدة،لأن شيوع الرياضة بين الشباب جعلت همتهم أثناء العمل في بساتينه ضعيفة، ومرة صعد الى القرية وألقى في الفريق الرياضي وأهل البلدة كلمة موجزة: 
- بدلا من أن تهلكوا أنفسكم في الركض والصراخ، فاعملوا ساعات اضافية، العمل والكد أفضل رياضة جسدية لكم، نريد أيها الشباب التعويض عن كساد الموسم الماضي
وكاد الحديث يتشعب بين أعضاء الفريق الى نواح عديدة، فتدخل بلال قائلا:
- المهم اليوم كرتنا حرة فلنحافظ عليها ولا يوجد بيننا لا البيك ولا أبو مصطفى، ويجب التحلي بالأخلاق الرياضية والاستعداد للمباراة الحاسمة مع فريق الحي " التحتاني".
موعد المبارة اقترب،  ارتدى بلال ثيابه للذهاب الى الملعب، لم يكد يصل حتى فاجأه صاروخ مزقه إربا إربا، فانتشرت دماؤه على الجدران المجاورة وانقسمت الى فريقين، الكريات الحمر والكريات البيضاء وكأنها تأبى إلا اكمال المباراة، حتى أن شجرة الحور التي كان يتفيأ بظلها أبو فؤاد قطعها الصاروخ ووضعها جانبا.إنه صاروخ حاقد يكره الرياضة ويكره الفيء، بل تشتد قوته النارية عندما يرى أطفالا يضحكون ويلعبون.
أهالي الحي تجمعوا حول جثة بلال.
وعندما وصل النعش الى (...) قال أبو أحمد:
- أين الشيخ ليصلي على بلال؟
- لاتتعبوا أنفسكم يا اخوان، فأنتم لم تأخذوا موعدا لدفنه.
قال هذا مسؤول المقبرة وهو يتصفح صفحات الجريدة.
- شو إذا مات واحد بدو ياخد موعد، الولد مبارح مات بالقصف وريحتو حا تطلع، اتقوا الله يا عالم، هلق بيموت والده إذا سمع هذا الكلام.
- شو خصني يا حاجة هيك النظام، ويمكن مساعدتكم ولكن تكاليف الدفن 20 ألف ليرة لبنانية.
- عشرون ألف ليرة، عشرون ألف ليرة.
- ما بيكفي خسارة الولد حتى بدنا ندفع عشرين ألف ليرة
- هيدي قوانين، قوانين افهمونا يا ناس
اقتربت منه الحاجة أم خليل.
- يا عمري صرتو تلاحقوا الميت على قبرو.
- شو بدنا نوقف عالمقابر مثل ما عما نوقف أمام الافران والمستشفيات والمدارس؟ وصل التقنين للموت؟
- ليش ما بتقوم مظاهرات ضد الموت، هللي ما معو عشرين الف ليرة بتاكل لحمو الكلاب والقطط، حتى الموت يقف الى جانب الأغنياء، حتى المقابر محظورة علينا..
- لازم نوقف ضد الموت..
- ألموت للموت..
- لا نريد أن نموت بعد اليوم.
أثناء هذه الجلبة، وبعد اتصالات مع رئيس المقبرة حضر شخص من قبله وأخبر الحضور بأن المبلغ خُفض الى عشرة آلاف ليرة وان مرسوم سيصدر قريبا يدعو أقرباء الموتى القدامى وحتى الذين دُفنوا منذ عشرات السنين الى دفع "خلو" قبورهم أو أجر سنوي بقيمة ألف ليرة.
- ما بدنا ندفع قرش واحد وما عش منا نقبرو هون، قال عم بلال.
وتعالت الصيحات منددة بالموت، بل إندفع عمار بعد سماع كلام مندوب الرئيس الى المقبرة مخاطبا الموتى داعيا اياهم للنهوض من قبورهم والانتفاض لمقاتلة الموت.
- يا اخوان بعد الدفن بتتحدثوا. هلق بدنا ندفن الميت، ماذا سنقول لوالده.
- منقول في قصف عالشياح، والطريق الجديدة، ولازم نروج عا مقبرة ثانية.
- أحسن كذبة بيضاء، قال الاستاذ طلال.
كنا نصغي الى "أبو رضا" وكأن على رؤوسنا الطير وهو يعرض لنا الصعوبات التي واجهوها في مقبرة(...)
- وماذا فعلتم بالجثة؟
- البعض إقترح دفنه بالقوة وعدم دفع فلس واحد إلا أن الرأي استقر على الانتقال الى مقبرة(...) التي تستقبل الموتى بدون مواعيد والرسم ب "500" ليرة فقط، انها مقبرة فقيرة ومتواضعة جدا.
النداء
26 تموز 1986

المصدر : من (كتاب العتال) لمحمد صفا