لبنانيات >أخبار لبنانية
التوثيق من منظور اسلامي - بقلم لينا وهب
التوثيق من منظور اسلامي - بقلم لينا وهب ‎الاثنين 22 شباط 2021 20:35 م
التوثيق من منظور اسلامي - بقلم لينا وهب

جنوبيات

لا يمكن خوض أي حديث عن أي مسألة بالمنظور الإسلامي من دون الاستناد إلى مراجع وأهمها القرآن الكريم وأقوال الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم و آل بيته الكرام.

وقد ورد في القرآن الكريم آية عن أهمية التوثيق والتدوين في حفظ الحقوق بشكل مباشر بسورة البقرة حيث يقول الله تعالى في الآية 282 "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".

وعن الرسول المصطفى (ص) قوله فيما يخص التوثيق "المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة سترا فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تبارك وتعالى بكل حرف مكتوب عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات" .


على الهامش أذكر هنا قصة صغيرة حصلت بيني وبين إحدى السيدات المبدعات من حملة شهادة الماجستير في اللغة العربية والمتعددة المهارات سواء في مجال تخصصها الأكاديمي أو في هوايتها بالتخطيط والإنشاد أو في عطاءاتها المعرفية من خلال البحث عن المعلومات الموثوقة المصادر وتعميمها على أصدقاءها والسائلين الطالبين ممن تعرفهم ويعرفونها. إنها الأستاذة زهراء فواز التي أتحدث عنها والتي حصل لي الشرف أن تعرفت عليها صدفة بعد أن دخلت متجرها أيضاً صدفةً لا بقصد شراء شيء منه وإنما للاستفسار منها عن شيء ما.

 فكانت مشيئة القدير الأعلى أن يسوقني إلى ذلك المتجر لألتقي بهذه الشخصية المتعلمة المتواضعة المتدينة الإيجابية الفذة والمتعددة المهارات والمواهب وكان الطعم الذي جعلني أشتري بعض الأشياء من متجرها وأتردد عليه لاحقاً هو سعر بضائعها المميزة فهي بخلاف التجار الذين سارعوا إلى تغيير الأسعار لبضائعهم القديمة فور تغير سعر صرف الدولار  ومع كل ارتفاع لسعر الصرف أبت أن تبيع ما كانت قد اشترته من بضائع على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية بهامش ربح  يفوق ذلك. مما أثار حفيظتي الاستضاح منها عن سبب فعلها لذلك على الرغم من أن نفس البضائع التي تبيعها هي بثمن قليل، كان قد قام كثير من التجار بمضاعفة أسعارها أضعاف مضاعفة فور تغير سعر الصرف بحجة أنهم يخشون على تجارتهم أن تبور ومتاجرهم أن تقفل بحيث هناك إيجارات وتكاليف تشغيلية وشراء بضائع جديدة.

فكان جوابها "أنا لا أستطيع أن أبيع قطعة اشتريتها على سعر صرف 1500 بأكثر من ربح على أساس السعر الذي اشتريته، أعتبر فعل غير ذلك جشعاً ولا أستطيع، وأما البضائع الجديدة التي سأشتريها على سعر الصرف الجديد فإنني أبيعها مع ربح مقبول على أساس سعر الصرف الجديد ".

وكان منطقها هذا سبباً أكثر لرغبتي في التعرف عليها أكثر فطلبت رقمها بحجة الاطلاع على منتوجاتها وكل جديد الكترونياً وبقصد التعرف إليها أكثر وقمت عندها بتعريفها بنفسي كإعلامية ومستشارة بإدارة المعلومات.

وهذه ليست كل القصة ولا فيها ما يتعلق بالتوثيق من شيء ولكن كان لا بد ذكر كل ما سبق للتعرف على الشخصية النموذجية التي أتحدث عنها في معرض مقالي هذا لأتطرق لموضوع التوثيق بعيون اسلامية.

فبعد مرور أيام قليلة حصلت دردشة بيني وبين زهراء بعد أن أرسلتُ لها مقال من مقالاتي لتتصفح صفحتي الرسمية على منصة فايسبوك، وكان بالتالي أن أرسلت هي  لي طلب صداقة من صفحتها الشخصية التي سرعان ما تصفحتها لأكتشف فيها مخطوطات رائعة لا تحمل توقيعاً مجهولة المصدر والهوية.

فكان من الطبيعي أن أستوضح منها عن الأمر ليتبين أنها هي صاحبة تلك المخطوطات. سألتها عن سبب عدم توقيع المخطوطات فأجابت بأنها لا تتخذ من التخطيط مهنة لها وإنما تقوم بذلك للتعبير عن حالة دينية.

وهنا من الخلفية العلمية تلقيت الجواب كخطأً شائعاً في المجتمع حيث يعتقد كثير من المتدينين أن توقيع اسمهم على عمل معين يقومون به في سبيل الله أو تقرباً لله ومن أوليائه رياءً أو عجباً، في الوقت الذي أنظر إليه أنا من خلفية مستشارة بإدارة معلومات بأن أي عمل إبداعي لا يحمل توقيعاً ليشير إلى مصدر العمل الذي أخرجه أو أنتجه فهو منقصة لذلك العمل وتشويهاً له بحيث يضعه في خانة العمل المشبوه بالغايات والأهداف والمصدر وسبب النشر من حيث أن عملاً مجهول الهوية هو بلا ريب يفتقد للموثوقية وللسند وأما من الخلفية الدينية فأنا أعتقد بشدة أن الأعمال بالنيات ويُعرف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله {إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى}.

فما هي أهمية التوثيق في الأعمال الفردية وكيف يشكل منارة للتمييز بين المعلومات الصحيحة والمعلومات غير الصحيحة؟

أولاً، لا بد من تعريف التوثيق اصطلاحاً فبحسب القرآن الكريم يطلق على الشد و الروابط من الوثاق: و هو ما يشد به من حبل و يقيد و منه قول تعالى { فشدو الوثاق } سورة محمد ( الآية 4).
وأما بحسب معجم الرائد:وثق الموضوعَ : دعَّمه بالدَّليل وأثبت صحّته.

رب قائل ما أهمية توثيق أعمال كالرسم والتخطيط والأفكار التي قد يبدو ظاهرها أو دوافع الإتيان بها بلا أي قيمة مستقبلية بعيدة الأمد وبلا أي أهمية سياسية أو تاريخية وغير ذلك بحسب منتجها إلا أننا إن نظرنا إلى المسألة بشكل كلي فإنه لا شك بأن توثيق الأعمال الذي في العرف يتم لأجل الاستفادة منه بشكل شخصي وفردي إنما في حقيقة الأمر يحمل قيمة جماعية مجتمعية في كثير من الأحيان.

فمع فورة المعلومات التي رافقت الانتشار الواسع للتكنولوجيا والاستخرام الواسع للانترنت كثرت مصادر المعلومات مما خلق إشكالية التمييز بين المعلومات الصحيحة والموثوقة وتلك العارية من الصحة والمفبركة أو المزيفة. لهذا السبب يعتبر توثيق الأعمال وتوقيعها باسم منتجها (المؤلف، المترجم، المؤرخ، المحقق، الإعداد، إلخ.) والحرص على ارفاق بيانات النشر (الناشر ومكان النشر وتاريخه) يساعد بشكل أساسي في تقييم مصدر المعلومات من حيث المصداقية والموثوقية.

وهو من جهة أخرى يحد من انتحال الصفة والأعمال ذات النشر المشبوه  من حيث الأهداف والتوجهات والميول إضافةً إلى أنه يعطي قيمة مضافة للعمل حيث يسند إلى الجهة التي صدرت عنه بدلاً من أن يكون عملاً بلا هوية وبلا مصدر، نكره صاحبه.

خلاصىة القول لتوثيق الأعمال فوائد تعود على المتلقي المستفيد بالإطلاع على العمل المنشور  من حيث معرفة المصدر والسند للعمل وما يشمله من معلومات ومعطيات ولا يعني هذا بالضرورة اسلامياً شبهة الرياء والعجب في توقيع الأفكار والأعمال وإن كانت في سبيل الله لأن الأعمال عند الله بالنيات ويحب الله من يعمل عملاً أن يتقنه وليتم ذلك لا بد من أن يكون عملاً ذا موثوقية صحيح السند ومعروف المصدر ليحمل صاحب العمل كامل المسؤولية عما ورد فيما ينشر ظرفياً في الوقت الحالي ومستقبلياً عبر الأجيال القادمة حيث تصبح مواده المنشورة عناصر تحكي تاريخاً لحقبة معينة أو لموضوع معين.

المصدر : جنوبيات