لستُ ممّن يهرب أو يتهرّب، ولستُ في حيرةٍ بين البُعد والتقرّب، وليس العمرُ في الكِبَر أو الصِّغَر. وليس الفانوسُ السحريّ، في زمن العجائب، بعجيبةٍ أو مكرمة؛ فهو لا يعدو أن يكون لعبةَ أطفالٍ في زمن الكبار.
إنما الثقة بالله يقينًا، والرضا بفضله عطاءً، هما ما يجعلان منك إنسانًا سويًّا متماسكًا، يعي طبيعة الحياة في حلوها ومرّها، وفي حلّها وترحالها، وفي عُسرها ويُسرها.
فالرضا واليقين عنوانان بارزان على عرش قلبك؛ فالرضا يولّد فيك الأمل والمحبّة، واليقين يفتح لك طريق الثقة، ويملأ ثنايا روحك طمأنينةً وسكينة. وبهما يصغر في عينيك كل شيء، ويذوب كثيرٌ من همّك.
ومن خلالهما تصبح قِبلةَ المحيطين بك، ومصدرَ طمأنينةٍ لمن حولك، ويتوارى حزنك خلف يقينك. فاغرف من معين يقينك ما يروي قلبك، ودَع ما عجزتَ عنه لربك؛ فإنه يكرمك، ويرضيك، ويفتح لك من أبواب رحمته وجوده ما لم يكن في حسابك.
ما أروع تلك اللحظات التي تتأمل فيها أمنياتك، وتتركها بين يدي الله!
كن مطمئنًّا إلى حكمته، واثقًا بقدرته، متوكّلًا على لطفه وعدله، ولا تحزن إذا ضاقت عليك أمور الحياة؛ فما ضاق أمرٌ على عبدٍ أحسن الظنّ بربّه إلا جعل الله بعد العسر يسرًا.
فالقمر يزداد روعةً كلما اشتدّ حوله الظلام، والشمس تسطع بنورها بعد كل ليل، لتغمر الأرض بالدفء والسلام. وكذلك الإنسان؛ قد لا يعرف قوة نوره إلا حين يحيط به شيءٌ من العتمة.
ولعلّ أجمل ما يتعلّمه القلب أن الحياة لا تُقاس بما نملك من أسباب، وإنما بما نملك من يقين. فقد تتأخر الأمنية، ولا يتأخر لطف الله؛ وقد يُغلق بابٌ تمنّيناه، ليفتح الله لنا بابًا لم نكن نراه. وقد نحزن على أمرٍ ظننّاه خيرًا لنا، ثم نكتشف بعد حين أن الخير كان في صرفه عنّا.
فلا تستعجل ما كتبه الله لك، ولا تأسَ على ما لم يقدّره لك. اطمئن؛ فما دام الأمر بيد الله، فثمة حكمةٌ في كل تأخير، ورحمةٌ في كل منع، ولطفٌ يختبئ أحيانًا خلف ما نظنه ابتلاءً.
وحين يستقرّ اليقين في القلب، لا تعود الرياح العاتية قادرةً على اقتلاعه، ولا تعود تقلّبات الأيام قادرةً على إطفاء نوره. عندها تدرك أن الرضا ليس استسلامًا للعجز، وإنما هو قوةٌ تُعينك على الأخذ بالأسباب، ثم تسليم النتائج لمن بيده الأمر كلّه.
فالحمد لله حبًّا، والحمد لله شكرًا، والحمد لله يومًا، وشهرًا، وعامًا، وعمرًا. الحمد لله في السراء والضراء، في العطاء والمنع، في الفرج والانتظار. الحمد لله دائمًا وأبدًا.
وكلما حمدتَ ربك، وجدتَ في الحمد حياةً لقلبك، ووجدتَ من لطفه ما يرضيك؛ فلك الحمد ربّي حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
اللهم ارزقنا خير الدنيا ونعيم الآخرة، ويسّر لنا كل أمرٍ نخاف تعسيره، وأكرمنا بحسن تدبيره، واملأ قلوبنا رضا ويقينًا، وألهمنا حسن الظن بك في كل ما جرى، وكل ما يجري، وكل ما سيأتي.
اللهم علّمنا أن نطمئن إلى حكمتك حين لا نفهم، وأن نرضى بعطائك حين لا نملك، وأن نحمدك حين تتأخر أمانينا كما نحمدك حين تتحقق.
واجعل يقيننا بك أكبر من خوفنا، ورجاءنا فيك أوسع من أحزاننا، وثقتنا برحمتك أقوى من تقلّبات الأيام.
آمين.
القاضي م. جمال الحلو