في بلد يمكن أن تنطفئ فيه الكهرباء بينما تكون الشمس في ذروة سطوعها، يصعب العثور على مفارقة أكثر عبثية من هذه: محطة شمسية أُقيمت فوق نهر بيروت لتوليد الكهرباء، ثم صُممت بحيث تتوقف تلقائياً عندما تنقطع الشبكة التي يفترض أن تستفيد من كهربائها.
هذه ليست نكتة لبنانية، بل قصة مشروع حقيقي.
بين جسر أرمينيا وجسر يريفان في منطقة برج حمود، يمتد فوق نهر بيروت ما عُرف بمشروع «الثعبان الشمسي»، أحد المشاريع المبكرة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية فوق مجرى مائي في لبنان. كان المشروع يفترض أن يحوّل مساحة مهملة إلى مصدر للطاقة النظيفة، وأن يقدم نموذجاً مختلفاً لإنتاج الكهرباء في بلد يرزح منذ عقود تحت أزمة كهرباء مزمنة.
بدأ تنفيذ المرحلة الأولى في تموز 2014، وربطت المحطة بالشبكة الوطنية في أيلول 2015. وضمت نحو 3600 لوحة شمسية على هيكل يبلغ طوله نحو 325 متراً وعرضه نحو 32 متراً فوق النهر، وبقدرة اسمية تقارب 1.08 ميغاواط ذروة. بلغت قيمة عقد المرحلة الأولى نحو 3.1 ملايين دولار، ضمن موازنة قصوى كانت محددة بنحو 4 ملايين دولار. وبحسب التقديرات الأصلية، كان يفترض أن تنتج المحطة نحو 1.6 مليون كيلوواط/ساعة سنوياً، بما يكفي - وفق التقديرات آنذاك - لنحو ألف منزل، وأن تساهم في تجنب نحو ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
كل ذلك يبدو رائعاً، إلى أن نتذكّر أين توجد المحطة... في لبنان!
فقد صُممت المرحلة الأولى كنظام مربوط بالشبكة العامة (On-Grid)، من دون منظومة بطاريات تخزين. وهذا يعني ببساطة أن المحطة غير مصممة للعمل كمنظومة مستقلة عند انقطاع الكهرباء. وعندما تنقطع الشبكة الوطنية، تتوقف المحطة تلقائياً عن التوليد استجابة لمتطلبات حماية الشبكة.
وهنا تظهر المفارقة التي تتجاوز مجرد الاحتفال بمشروع «أخضر»: في بلد يعاني من نقص حادّ في الكهرباء وانقطاعها المستمر، توجد محطة شمسية تُفترض مشاركتها في التوليد، لكن قدرتها على تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء معطّلة بحكم انهيار الشبكة. المشكلة ليست في أن الشمس لا تشرق؛ فالشمس تقوم بواجبها. والمشكلة ليست في عجز الألواح عن الإنتاج؛ فهي قادرة على ذلك. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التخطيط الشامل الذي يراعي واقع البنية التحتية المتهالكة؛ فالمنظومة أُقيمت لتعتمد على شبكة عامة مستقرة لا وجود لها أساساً.
وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل قصة «الثعبان الشمسي» أكبر من مجرد مشروع طاقة متجددة؛ إنها اختبار لطريقة إدارة مشاريع البنية التحتية العامة: هل يكفي أن ننفذ المشروع ونربطه بالشبكة ونعلن نجاحه، أم يجب أن نسأل بعد سنوات عن إنتاجه الفعلي، وكلفة الكيلوواط المنتج، وفترات توقفه، ومدى تحقيقه للأهداف المعلنة؟
والقصة لم تتوقف عند المرحلة الأولى. فقد وضعت وزارة الطاقة والمياه خططاً ومناقصات لتوسعة المشروع وإنشاء محطة جديدة تصل قدرتها إلى 8 ميغاواط. لكن، كما في كثير من المشاريع اللبنانية، لا تكفي كلمة «خطة»، ولا تكفي «مناقصة»، ولا يكفي أن يظهر المشروع في وثيقة رسمية. السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: هل تحوّلت الخطة إلى تنفيذ؟ وهل دخلت القدرة الإضافية الخدمة؟ وما حجم الكهرباء التي وصلت فعلياً إلى الشبكة؟ هذه ليست أسئلة فضولية، بل هي الحد الأدنى من المساءلة المشروعة عندما يتعلق الأمر بمشروع مموّل من المال العام.
بعد أكثر من عقد على بدء تنفيذ المرحلة الأولى، لا ينبغي أن يكون النقاش محصوراً في عدد اللوحات التي رُكبت في 2014، أو طول الهيكل فوق النهر، أو جمال فكرة الطاقة النظيفة. ينبغي أن تتوفر أرقام حديثة وواضحة تجيب عن كمية الإنتاج الفعلي للمحطة منذ تدشينها حتى اليوم، وعدد الأيام والساعات التي توقفت فيها عن العمل بسبب انقطاع الشبكة أو الصيانة، فضلاً عن كلفة الكيلوواط/ساعة المولد منها مقارنة بحجم الاستثمار، وصولاً إلى المصير الفعلي لمشروع التوسعة بقدرة 8 ميغاواط.
إذا كانت هذه الأرقام موجودة، فمن حق اللبنانيين الاطّلاع عليها، وإذا لم تكن موجودة، فهذه بحد ذاتها مشكلة بليغة؛ لأن المال العام لا يُقاس بما أُنفق لحظة الافتتاح، بل بما تحقق في المقابل بعد سنوات من التشغيل. والأسوأ من ذلك أن تتحوّل مشاريع الطاقة في لبنان إلى سلسلة متواصلة من الصور والافتتاحات والخطط والمناقصات، بينما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: ماذا أنتج المشروع فعلياً؟
«الثعبان الشمسي» فوق نهر بيروت لا يحتاج إلى حملة علاقات عامة جديدة، بل يحتاج إلى كشف حساب شفاف منذ يوم ربطه بالشبكة حتى اليوم. فإذا كانت الأرقام جيدة، فلتُعرض أمام الناس بشفافية، وإذا كانت سيئة، فلتُشرح أسباب الفشل بشجاعة. أما أن تُترك محطة أنفقت عليها ملايين الدولارات معلقة بين مشروع أُنجز وخطة توسعة متعثرة وشبكة كهرباء متهالكة، ثم يُطلب من اللبنانيين الاكتفاء بتذكّر حفل التدشين، فذلك ليس سياسة طاقة على الإطلاق.
ذلك هو بالضبط ما يجب أن تتوقف الدولة عن فعله: إنفاق المال، إطلاق المشروع، التقاط الصور، ثم ترك اللبنانيين يبحثون بعد سنوات عن الإجابة على سؤال بسيط جداً: أين ذهبت الكهرباء؟