14 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأحد 27-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية وجوه أطفال فلسطين... مستقبل الصغار الناجين من جرائم الاحتلال
وجوه أطفال فلسطين... مستقبل الصغار الناجين من جرائم الاحتلال
2026-09-27
وجوه أطفال فلسطين... مستقبل الصغار الناجين من جرائم الاحتلال

تشرح شهادة أخصائية جراحة الفم والفكين في مستشفى جنين الحكومي تفاصيل ما تعالجه يومياً من آثار جرائم يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي على وجوه أطفال فلسطينيين، كما ترصد ما شاهدته ورصدته من جراح العدوان الإسرائيلي على وجوه الأطفال في قطاع غزة.

أعرف أحياناً ما الذي أستطيع أن أفعله للجرح، وأعرف أكثر ما الذي لا أستطيع فعله. يصل الطفل مصاباً برصاص الاحتلال في الوجه، ونبدأ بما يستطيع الطب أن يراه: هل مجرى الهواء آمن؟ هل هناك نزيف؟ هل الفك مكسور؟ هل الأسنان مفقودة؟ هل الأنسجة متضررة؟ هل وصلت الشظايا إلى العين أو الأذن أو الأنف؟ هل هناك إصابة في الرأس؟ ثم يأتي السؤال الأصعب: إلى أي قسم أحول الطفل بعد ذلك؟
في مستشفى يفتقر إلى قسم متكامل لجراحة الوجه والفكين، قادر على التعامل مع الإصابات المعقدة، تغدو الخطة العلاجية نفسها رحلة، فقد يحتاج الطفل إلى تحويله إلى القطاع الخاص، ولا تقوى أسرته على تحمل التكلفة، وقد يحتاج إلى مدينة أخرى، أو مركز أكثر تخصصاً، أو فريق قادم من الخارج، فينتظر دوره أو ينتظر بعثة. والطفل لا ينتظر بالطريقة التي ننتظر بها نحن البالغون؛ فالجرح لا ينتظر، والنمو لا ينتظر، والخوف لا ينتظر.
بصفتي طبيبة أسنان ومختصة بجراحة الفم والفكين، لم تتوقف تجربتي مع إصابات الأطفال عند مدينة جنين، فخلال عملي في الميدان تابعت حالات لأطفال في قطاع غزة أصيبوا خلال القصف الإسرائيلي، في سياق شمل القصف الجوي والشظايا وإطلاق النار والانفجارات. هناك، بدا لي الوجه أكثر من مرة بوصفه نقطة التقاء لكل ما يمكن أن تفعله الإصابة بالطفل، وشهدت حالات أطفال تصل إصاباتهم إلى مواضع في الوجه لا يكفي لعلاجها طبيب واحد ولا عملية واحدة. رأيت الوجه بوصفه عظماً وأسناناً وأوعية دموية وأعصاباً، ثم رأيته بوصفه شيئاً آخر أكثر هشاشة: صورة الإنسان عن نفسه.
في غرفة العلاج، يصل الطفل أولاً بوصفه حالة طبية: كسر في الفك السفلي، شظايا، فقدان أنسجة، حروق، أسنان مكسورة، جرح يمتد إلى الأذن أو العين أو الأنف، إصابة في الرأس، نزيف، ألم. لكن بعد أن ينتهي الفحص، يبدأ شيء لا يظهر في الأشعة.
يخبرنا الأهالي أن الطفل لم يعد ينظر إلى نفسه في المرآة، أو أنه يطيل النظر إلى وجهه ثم يبتعد. لم يكن جميعهم يريدون الكلام؛ الأطفال الصغار لا يملكون دائماً الكلمات التي تصف ما حدث لوجوههم، وبعضهم لا يحتاج إلى الكلام، يكفي أن يبتعد عن المرآة. أما اليافعون، فقد سمعت السؤال نفسه أكثر من مرة: "بعد العملية، هل ستبقى الندبة؟".

ليس الوجه مجرد ملامح؛ إنه الهوية، والطريقة التي يتعرف بها الطفل إلى نفسه، والتي يتعرف بها الآخرون إليه

لم يكن السؤال عن الحرب، ولا عن السياسة، ولا حتى عن الموت. كان السؤال عن الوجه، عن اليوم الذي سيخرج فيه هذا الطفل إلى الشارع ويراه الآخرون، عن المدرسة، عن أصدقائه، عن الصورة التي سيلتقطها أحدهم بهاتفه، وعن المرآة. أدرك تماماً أنني لا أملك الإجابة التي يريدها الطفل، لأن الجراحة تستطيع أن تعيد بناء شيء، لكنها لا تستطيع أن تمحو الذكرى القاسية.
في إصابات الوجه والفكين عند الأطفال، لا ينتهي العلاج حين يُغلق الجرح؛ فالطفل ما زال ينمو. العظم ينمو، والأسنان تتبدل، والأنسجة تتغير، والندبة قد تنكمش. وقد تظهر مع الوقت مشكلات في الإطباق، أو تناظر الوجه، أو حركة الفم، أو فتحه، أو الكلام والأكل. وفي الحروق الشديدة، يمكن أن تؤثر التقلصات والندبات في النمو والوظيفة والشكل. لذلك، قد يحتاج الطفل إلى متابعة تمتد لسنوات، وإلى أكثر من تخصص وأكثر من عملية.
ونادراً ما تكون إصابة الوجه والفكين معزولة في ما يخلفه الاحتلال من إصابات، فقد يحتاج الطفل إلى جراح وجه وفكين، وجراح تجميل وترميم، وطبيب عيون، وطبيب أنف وأذن، وجراح أعصاب، وطبيب أوعية، وفريق تخدير وعناية مركزة، ثم إلى علاج نطق وتغذية وتأهيل نفسي واجتماعي. لكن الحرب لا تمنح الطب الوقت الذي يحتاجه.

قد يحتاج الطفل إلى نقله من مكان الإصابة إلى الطوارئ، ثم إلى غرفة العمليات، ثم إلى مركز آخر، ثم إلى عملية ثانية وثالثة. وقد يكون الطبيب المطلوب في مدينة أخرى، وقد يكون الطريق نفسه عائقاً، وقد تكون المعدات أو المواد التي نحتاج إليها غير متوفرة. وأحياناً لا يفشل الطبيب لأنه لا يعرف ماذا يفعل؛ بل يفشل النظام لأن العلاج الذي يعرفه الطبيب يحتاج إلى شيء غير موجود: اختصاص، أو أداة، أو مادة، أو وقت، أو تحويل آمن، أو مال، أو طريق مفتوح.
هذه الصعوبات ليست نظرية في فلسطين. وبحسب دراسة منشورة أجرتها مجموعة من الأطباء الفلسطينيين بقيادة الطبيب عبد الوهاب أبو العمرين، عن 74 إصابة في الأنسجة الرخوة للوجه في مستشفى شهداء الأقصى في قطاع غزة، تبيّن أن 46% من المرضى كانوا أطفالاً دون سن السادسة عشرة، وكانت إصابات الانفجارات هي الآلية الغالبة، وشملت الحالات حروقاً وفقداناً للأنسجة وجروحاً عميقة وشظايا محتجزة، وحدثت مضاعفات بعد الجراحة في 19% من الحالات. لا تمثل الدراسة جميع أطفال القطاع، لكنها تكشف طبيعة الإصابات التي كان على الفرق الطبية التعامل معها في بيئة محدودة الموارد.
تخبرنا الأرقام كم طفلاً أصيب، أما القصة فتخبرنا ماذا يعني أن تكون أنت ذلك الطفل. وليست كل الإصابات ناتجة عن شظية وصلت مباشرة إلى جسد الطفل. من بين الحالات التي تابعتها، طفلة كانت تهرب مع عائلتها من صوت القصف، ولم تصبها الشظايا مباشرة، لكنها سقطت أثناء الركض وأصيبت بكسر في الفك. كان جسدها يحاول الهرب من مكان الخطر، فانتهى بها الأمر مصابة في مكان آخر.
وفي حالة أخرى، وصل طفل في العاشرة من عمره إلى المستشفى بعد القصف، وقد غطى الغبار وجهه وعينيه. كان يصرخ من الألم وينادي أمه في الوقت نفسه. خشي الفريق في البداية أن تكون عينه قد أصيبت إصابة خطيرة، لكن لم يكن هناك طبيب يستطيع فحصه في اللحظة نفسها، فالطبيب المناوب كان داخل غرفة العمليات، وتأخر تقييم عيني الطفل حتى اليوم التالي. في تلك الليلة، نام الطفل في حضن طبيبة من زميلاتي، وبقي يبكي طالباً أمه، خائفاً من أن يفقد عينيه. في الصباح، اكتشفنا أن عينيه لم تفقدا وظيفتهما، وأن ما أصابهما كان أثر الغبار. لكن المأساة كانت في مكان آخر: لقد فقد أمه.

لكن بعض الإصابات لا تُصيب الوجه وحده، بل تعيد تعريف الجسد كله. أتذكر طفلاً في الثانية عشرة من عمره كان في طريقه لزيارة جدته في بداية الحرب. أصابته قذيفة في الرأس، وتسببت الشظايا في إصابات طاولت العينين، وانتهى الأمر بفقدان البصر في كلتيهما. لم يكن أول ما رفضه هو الألم، بل المستقبل. في البداية، رفض فكرة العلاج والتأهيل، ورفض أن يتعلم طريقة برايل في القراءة. لم يكن يريد أن يتعلم كيف يعيش داخل عالم لم يعد يستطيع رؤيته، بينما يفترض أن يكون عمره مليئاً بالأصدقاء واللعب والزيارات العائلية. فجأة، أصبح عليه أن يتعلم طريقة جديدة لقراءة العالم. تكرّرت المناشدات من أجل إجلائه للعلاج خارج غزة، لكن الإجلاء لم يتحقق في الوقت الذي كان يحتاج إليه.
وفي حالة أخرى، طفل يبلغ من العمر ست سنوات، فقد عينه اليمنى ويده اليمنى وساقه اليمنى. في مقابلة معه، كان السؤال الذي يشغله بسيطاً وقاسياً في آن: كيف أساعد نفسي إذا فقدت عيني التي أرى بها، ويدي التي أستخدمها، وساقي التي أمشي عليها؟ لم يكن يسأل عن عملية واحدة، بل كان يسأل كيف سيعيش بجسده الجديد. هذه هي الأسئلة التي لا أستطيع الإجابة عنها.
وفي حالة أخرى، وصل طفل في العاشرة من عمره، مجهول الهوية، إلى المستشفى. كان مصاباً بكسور متعددة في الوجه، شملت محجر العين وعظم الوجنة والفك العلوي، إضافة إلى جروح أخرى. عولج وأجريت له الجراحة اللازمة، لكن أحد أصعب الأسئلة بقي خارج غرفة العمليات: من أهله؟ انتشرت صورته بحثاً عن عائلته، ثم تبين أن أسرته كانت قد أجليت خارج غزة، بينما بقي هو في المستشفى، إذ كان يحتاج إلى وقت طويل للعلاج قبل أن يتمكن من الخروج. وخلال ذلك الوقت، كان الأطباء عائلته المؤقتة. اليوم، حالته أفضل بكثير، لكن حتى هذه القصة التي انتهت بتحسن طبي لا يمكن أن تجعلني أنسى السؤال الأول: كيف يشعر طفل وهو يستعيد صحته، بينما الأشخاص الذين كان يفترض أن يكونوا إلى جانبه بعيدون عنه؟
وفي حالة أخرى، وصل طفل في عامه التاسع بإصابة بليغة. كان وجهه ورأسه مصابَين بحروق وجروح، ولم يكن لديه من يتابعه أو يسأل عنه. وفي خضم انهيار الخدمات ونقص الكوادر المتخصصة، بقيت إحدى الطبيبات المتطوعات تتابع جروحه وتغيّر له الضمادات. مر أسبوع من دون أن يعرف أحد أين عائلته. كانت أسرته قد تفرقت بين من استشهد ومن نزح إلى مناطق أخرى، ولم يكن الوصول إليهم ممكناً. ومع غياب الرعاية المستمرة، تدهورت جروحه وتلوثت بشدة، ثم توفي. لم يكن هناك مشهد عائلي يحيط بموته، وكان الأطباء هم من تولوا تكفينه ودفنه.
في الحرب، لا يفقد الطفل وجهه فحسب، بل يفقد الشخص الذي كان سيمسك يده بعد العملية، ويصبح الطبيب أقرب شخص إليه.
لا أدوّن هذه الشهادات لأقول إن كل طفل مصاب يعيش الأثر النفسي نفسه، ولا لأحوّل التجارب الإنسانية إلى أرقام، بل لأن الإصابات التي تصل إلى المستشفى لا يمكن فصلها عن العالم الذي يعود إليه الطفل بعدها. وددت لو أشرح للأطفال الناجين أن إعادة البناء ليست عملية واحدة، فبعض الأشياء تحتاج إلى أن تلتئم أولاً، وبعض القياسات والتعويضات لا يمكن أن تبدأ في اليوم نفسه، وبعض الجروح لا بد أن تنتظر. لكن الأطفال لا يفهمون الزمن الطبي كما نفهمه؛ هم يريدون أن يعرفوا متى يستطيعون النظر إلى أنفسهم من دون أن يتذكروا ما حدث. عندها تدرك أن السؤال لم يعد طبياً؛ بل صار سؤالاً عن الحياة.

في فلسطين اليوم، لا يحتاج الأطفال إلى الجراحة وحدها. تقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 172 ألف شخص أصيبوا في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأن أكثر من 43 ألفاً لديهم إصابات قد تغير حياتهم وتحتاج إلى إعادة تأهيل، بينما يحتاج أكثر من 50 ألفاً إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، كما تقدّر المنظمة وجود آلاف حالات البتر، ومن بينها عدد كبير من الأطفال.
وفي التعليم، تقول منظمة "يونيسف" إن نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة في غزة حرموا من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاث سنوات دراسية، وإن نحو ثلاثة من كل خمسة أطفال لا يحصلون على تعليم وجاهي. هذه أرقام تصف العالم الذي سيعود إليه الطفل بعد العملية. فماذا يعني أن نعيد بناء فك طفل، ثم لا يجد مدرسة؟ ماذا يعني أن نعالج ندبته، ثم لا يجد بيتاً؟ ماذا يعني أن نعيد له القدرة على المضغ والكلام، ثم لا يجد عائلته؟ وماذا يعني أن ننجح في إعادة بناء وجهه، بينما لم نتمكن بعد من إعادة بناء شعوره بالأمان؟
من موقعي كطبيبة، أستطيع معالجة الجرح الظاهر، لكن ليس الجروح النفسية، ولهذا يجب أن نعيد تعريف النجاة؛ فهي ليست أن يبقى الطفل حياً فحسب، وليست أن يغادر غرفة العمليات، وليست أن يصبح وجهه أقرب إلى شكله السابق. النجاة أن يكبر من دون أن تكون الحرب هي أول ما يراه في وجهه. الوجه ليس مجرد ملامح؛ إنه الهوية، والطريقة التي يتعرف بها الطفل إلى نفسه، والتي يتعرف بها الآخرون إليه. وحين يتغيّر، يخسر الطفل أكثر من وظيفة جسدية، وقد يبدأ بالانسحاب من العالم.
ما زالت أصوات الأطفال تدق جدران قلبي، وما زالت ملامحهم ترافقني، أنا الطبيبة التي عجزت عن أن تمنحهم كل ما يحتاجون إليه، والشاهدة على حكاياتهم وعلى ألم لا ينتهي بانتهاء العملية. هذه ليست مجرد شهادة، بل مطالبة بأن تُرى هويتهم، وأن تُصان كرامتهم، وأن يُنظر إلى علاجهم بوصفه حقاً مستمراً، لا إجراءً ينتهي بإغلاق الجرح.

(أخصائية جراحة الفم والفكين في مستشفى جنين الحكومي)

أخبار مماثلة